آخر الاخبار
الموقف الشرعي للمسلمين في الحرب الروسية الأوكرانية
بقلم/ محمد مصطفى العمراني
نشر منذ: 6 أشهر و 28 يوماً
الثلاثاء 01 مارس - آذار 2022 09:21 م
 

تساءل الدكتور محمد الخامري في صفحته بالفيسبوك : هل يمكن أن تعيد اميركا كذبة الجهاد ضد روسيا كما فعلت أيام أفغانستان والبوسنة والهرسك، ونرى تجييش جديد للمجاهدين المسلمين للذهاب إلى اوكرانيا، وخطب حماسية وجمع أموال في المساجد والمدارس ؟!! ورغبة مني في إثراء هذا النقاش والتفاعل الإيجابي مع هذه التساؤلات وطالما أن الخلاف لا يفسد للود قضية فإني أختلف مع ما طرحه الدكتور الخامري الذي لا أشك أن انتقاده يتوجه إلى أنظمة الخليج التي تتماهى مع أهداف وتوجهات الأمريكان وليس هدفه الطعن في الجهاد كمبدأ إسلامي أصيل مهما حاول البعض استثماره أو تشويهه. أود أن أوضح بعض الحقائق التي تغيب عن أذهان البعض لكثرة الضخ الإعلامي والمغالطات التي تم دسها في قضية " الجهاد في أفغانستان أو البوسنة والهرسك أو الشيشان وكشمير " وغيرها من البلدان الإسلامية لشيطنة هذا الجهاد وتثبيط المسلمين عن نصرة إخوانهم ، رغم ان الجهاد في أفغانستان على وجه الخصوص كان ذات يوم بطولة ونضال يتغنى به الشعراء ثم انقلب وصار سبة وتهمة وإرهاب بعد أن قضى الكبار مصالحهم.!

◼️ ما هو الواجب الشرعي ؟ لقد أفتى البعض من المسلمين فتاوى تجاه الموقف الشرعي للمسلمين تجاه الحرب الروسية الأوكرانية وسوف أورد في نهاية المقال فتوى شيخنا الشيخ أحمد بن حسن المعلم مما يحدث في أوكرانيا وهل يجوز للشباب المسلم الذهاب للقتال في أوكرانيا ؟ لكنني قبل ذلك سوف أسجل رأيي ووجهة نظري والتي أراها صوابا يحتمل الخطأ وقد يراها غيري خطأ يحتمل الصواب أنه لمناقشة هذه القضية يجب أولا أن نتنبه لسياق القضية فإذا عدنا إلى الخلف لأكثر من 40 عاما مضت كانت الظروف والمعطيات مختلفة تماما عن الوضع الحالي حيث نشهد الحرب الروسية الأوكرانية ، وقد نظر العلماء والدعاة حينها إلى قضية أفغانستان على أنها دولة مسلمة تم احتلالها من قبل الروس ، وكان السؤال حينها : ـ ما هو الواجب الشرعي إذا تم احتلال دولة مسلمة من قبل قوة غاشمة وباغية وظالمة ؟!

ولا أعتقد أنه يوجد عالم مسلم منذ أيام الصحابة رضوان الله عليهم إلى اليوم سيكون جوابه على هذا السؤال غير التأكيد أن على المسلمين أن يقوموا بواجبهم في نصرة أي بلد مسلم يتم احتلاله من قبل دولة غير مسلمة ظلما وعدوانا ، وطالما أن هذا هو الجواب فإن العلماء والدعاة حينها رأوا أن واجبهم نصرة أبناء أفغانستان بشتى السبل والوسائل ،

وهذه النصرة مثلما تنطبق على قضية فلسطين المسلمة تنطبق على أفغانستان والشيشان والبوسنة وأي دولة مسلمة وكل بحسب جهده وقدرته . لم ينظر العلماء والدعاة حينها إلى أن الغرب أو أمريكا سوف يستفيدون من قتالهم إلى جوار الأفغان وإنما نظروا إلى أنهم ينصرون إخوانهم من المسلمين ضد دولة محتلة باغية ومعتدية وغاشمة ، ومثلما كان أي يساري مستعد للقتال إلى جوار كوبا الشيوعية ضد أمريكا الرأسمالية فقد كان أي مسلم مستعد لنصرة إخوانه في أي مكان بنفسه وماله وقلمه وبالدعاء وبالقلب وذلك أضعف الإيمان. لقد شجع الغرب وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية الحكومات العربية على تسهيل تدفق المجاهدين إلى أفغانستان كون هزيمة الاتحاد السوفيتي ستصب في نهاية الأمر لصالح الغرب وكانت هذه هي الحسابات والأجندة الغربية والأمريكية ، ، وكل ما قدمته الحكومات حينها هو تشجيع الجهاد وفتح أبوابه وتسهيله ، ولكن لنفترض أن هذا الإدراك كان حاضرا في أذهان العلماء والدعاة والشباب الذين ذهبوا إلى أفغانستان أو الشيشان أو البوسنة.

ـ وإن كان للبوسنة وضع آخر مختلف سنفصل فيه بعد قليل ـ لنفترض أنهم كانوا يدركون سلفا أنهم بقتالهم إلى جوار أبناء أفغانستان ونصرتهم لهم ستستفيد أمريكا وسيكون هذا وفق حسابات المصالح والقوى الدولية لصالح الغرب وهو ما أشك في إدراكهم حينها له ولكني أفترض إدراكهم لهذا الأمر والسؤال هنا : ـ هل كان على المسلمين حينها أن يتوقفوا عن نصرة أفغانستان أو الشيشان أو البوسنة والهرسك لأن هذه النصرة ستستفيد منها دول أو محاور أو توجهات أخرى ؟ ـ هل على المسلمين أن يتفرجوا على إخوانهم في أي دولة مسلمة إذا أحتلتها دولة غربية لأن نصرتهم ستستفيد منه دولة شرقية أو العكس هل عليهم أن يتوقفوا عن نصرة أي دولة مسلمة إذا كانت نصرتها ستستفيد منها دولة غربية ؟!

◼️ وجود الأخطاء هل يشيطن الجهاد ؟! لا أحدا ينكر أنه قد حدثت الكثير من الأخطاء في ذلك الجهاد يومها وحدثت كوارث بين زعماء الجهاد في أفغانستان حينها ، وهو ما دفع المجاهدون العرب إلى محاولة الصلح ورأب الصدع ولما فشلت مساعيهم عادوا إلى أوطانهم ، بعد أن تحولت الفصائل الأفغانية إلى الاقتتال والتناحر فيما بينها حيث سقطوا في فخ مؤامرات كثيرة دفعت رفاق السلاح إلى الاقتتال والتناحر طمعا وغباء وجهلا وقلة دين وسوء تقدير .

عاد المجاهدون العرب إلى أوطانهم وانهار الاتحاد السوفيتي بعوامل كثيرة ليس أبرزها الجهاد في أفغانستان ، وقضى الكبار مصالحهم وصار العالم أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، بعد ذلك بدأ القلق الغربي من أولئك الذين ذهبوا لأفغانستان واكتسبوا خبرة قتالية وتسرب هذا القلق للحكومات العربية فتغير خطابها تجاه المجاهدون وبدلا من تكريمهم واستقبالهم كأبطال راحت تطاردهم وتسجنهم وتصفيهم في تآمر غربي مفضوح. لكن هذه الأخطاء التي حدثت بين الفصائل الأفغانية مهما كبرت لا تجعل الجهاد بأصوله وضوابطه خطيئة ولا نصرة المسلمين في أي بلد تهمة مهما حدث لأن هذا مبدأ عام بين المسلمين وهو وجوب نصرة المسلم بغض النظر عما سيشوب هذه النصرة من أخطاء بشرية لكننا نتعامل وفق الواجب الشرعي والله وحده هو المطلع على النوايا وهو من عليه حساب عباده. وهل نتناسى ونتجاهل أنه في كل الحروب والفتوحات والمعارك منذ فتح مكة إلى اليوم حدثت أخطاء فهل حدوث تلك الأخطاء يشيطن الجهاد ويلغي مشروعيته ؟!

◼️ أنبل الناس من نصروا إخوانهم لقد كانت نصرة المسلمين لإخوانهم في أفغانستان والشيشان والبوسنة وكشمير وغيرها وستظل حق إنساني أصيل تكفله كل المواثيق والدساتير وهو قبل ذلك الواجب الشرعي والفريضة الإسلامية ومصدر الفخر لكل مسلم لا يريد شهادة حسن سيرة وسلوك من الأمريكان والروس وأعداء الأمة وإنما يبتغي بتلك النصرة وجه الله وحده .

للأسف أتباع كل الملل والأديان يتداعون إلى نصرة بعضهم بعضا بكل السبل والوسائل ونحن نجد من أبناء جلدتنا من يلمز ويطعن في مبادئ إسلامية مثل الجهاد وغيرها ، وما يجعلنا نشكك في أهداف بعض هذه الحملات والكتابات التي تستهدف هذه المبدأ الإسلامي الأصيل أنها تتزامن مع توجهات وضغوط غربية على بعض الحكومات العربية والاسلامية لحذف آيات الجهاد من المناهج التعليمية كونها بزعمهم تحرض على قتال غير المسلمين وفي الحقيقة هم يرونها تعيق التطبيع مع الصهاينة . وإذا كان البعض يرى الآن أن احتلال روسيا لأوكرانيا كارثة مرفوضة ومدانة كونه عدوان على دولة مستقلة وعربدة على نهج شريعة الغاب فإن هذا البعض تختلف نظرته لاحتلال روسيا في الماضي لأفغانستان رغم أنها دولة مستقلة وذات سيادة وتعرضت لعدوان روسي ظالم وغاشم ولكن المعايير المزدوجة عند البعض تجعله يقف مع أوكرانيا الآن بينما يرى أن روسيا على حق حين غزت أفغانستان وكأن لسان حاله : هل نساوي بين الأوكرانيات الشقروات بنساء الأفغان المنقبات أو نساوي بين الأوكران والأفغان الفقراء أصحاب العمائم واللحى ؟!

فالشقراوات في أوكرانيا يجعلن ـ عند البعض ـ الاحتلال الروسي لها جريمة الدهر وعار الأبد لكن المسلمات في أفغانستان والشيوخ والأطفال الفقراء لا بواكي لهم .!! الذين ذهبوا إلى أفغانستان للجهاد كانوا من أنبل الشباب وأكثرهم إيمانا وتدينا والذين قتلوا هناك نحسبهم من الشهداء بإذن الله والذين نصروا إخوانهم أبناء البوسنة والهرسك عندما تعرضوا للإبادة الصربية وتبرعوا بمصروف يومهم أو أكثر أو ذهبوا للقتال مع أبناء البوسنة والهرسك هم أطهر الخلق وأنبل الشباب وأكثر وعيهم وتدينا ولهم الفخر والشكر ولو كنت وساما لتمنيت أن أكون في صدورهم رضي الله عنهم وهو وحده من سيجازيهم ومن يعلم نياتهم وإليه الحساب ومنه الثواب .

◼️ التعامل الشرعي مع الأحداث هناك فرق بين أن تتعامل مع الأحداث وفق الواجب الشرعي وبين أن تترك الواجب الشرعي وتتخلى عن دورك في نصرة إخوانك لأن البعض في الغرب أو الشرق لديه الجاهزية لاستثمار جهدك وجعل الأحداث تصب الأحداث لصالحه

. الغرب والدول الكبرى عموما يدرسون كل الأحداث ويحاولون الاستفادة منها واستثمارها لصالحهم وهذا التفكير السياسي لا يعيبهم بالعكس علينا كأمة أن نعمل على الاستفادة من كافة الأحداث والمستجدات والمتغيرات ونعمل على تحويلها لصالحنا وبما يعزز مكانتنا ويخدم أهدافنا ومثلما يتمنى الغرب هلاك الغرب أو اقتتاله فالسؤال الحيوي : ـ

أين موقعنا ودورنا وهل نحن كأمة نمتلك البديل الحضاري للعالم ؟! نحن لا يهمنا ما سيقول الشرق والغرب عنا وهل يستفيد من نصرة لإخواننا أم لا يهمنا أن نقوم بواجبنا الشرعي وأن نؤدي دورنا ، وقد أفتى شيخنا الشيخ بن حسن المعلم أنه لا يجوز الذهاب لأوكرانيا للقتال ضد الروس فهي حرب بين طائفتين من الكفار لا شأن للمسلمين بها ،

ومع أن الروس معتدون وظالمون ، الا أن القيادة الأوكرانية يهودية صهيونية تقف مع إسرائيل في خندق واحد ضد المسلمين " وهذا هو الموقف الشرعي أما التحليلات نتركها للمحللين وللسياسيين يخوضون فيها ويقولون ويزيدون كما يشاؤون ولن نترك إخواننا في أي مكان لمجرد أن الغرب أو الشرق سيستفيد من نصرتنا لهم ولن يهمنا ذلك فنحن نتبع الموقف الشرعي والدليل الشرعي ولا يهمنا ما سيقول عنا الأمريكان وغيرهم .

في الحرب الروسية الأوكرانية هذا قتال بين دول غير مسلمة ولا يعنينا كثيرا ومسألة " تجييش جديد للمجاهدين المسلمين للذهاب إلى اوكرانيا، وخطب حماسية وجمع أموال في المساجد والمدارس " أمر بعيد ومستغرب ، نسأل الله أن يرمي الظالمين بالظالمين ويخرجنا من بينهم سالمين وأن يحل السلام والاستقرار في أوطاننا ويعجل لنا بالفرج بحوله وكرمه .