الانسحاب الأمريكي وتحدّيات اللاعب الأفغاني
بقلم/ أحمد موفق زيدان
نشر منذ: شهرين و 8 أيام
الإثنين 19 يوليو-تموز 2021 11:28 م
 

عشرون عاماً على وجود القوات الأمريكية والدولية في أفغانستان، فترة هي الأطول من نوعها في تاريخ الاحتلالات الأجنبية لهذ البلد الذي عُرِف بتسميته "مقبرة الإمبراطوريات"، جرّب الجميع حظه العاثر فيه.. جنكيز خان، والمغول، وبريطانيا لثلاث مرات، ثم السوفييت، وأخيراً وليس آخراً الأمريكيون. كان الدرس الوحيد الذي تعلمته كل هذه القوى مجتمعة من مغامراتها: أن لا درس تعلمته، بينما الدرس الذي أتقنه كل من شاهد مسلسل الغزوات والاحتلالات الطويل أن السلام لا يمكن جلبه أو فرضه من الخارج!

يدرك كل غازٍ ومحتل عاقبة غزوه لأفغانستان، ولكنه يُصرّ على ممارسة الغواية، وهو جازم بعاقبة هزيمتها، إنها لعبة القمار الأفغانية التي تُغري لاعبيها، أملاً في أن يحقق ما عجز عنه أسلافه، فيكون قد عبر مفترق الطريق الشرقي للتاريخ كما وصفه فيلسوف التاريخ البريطاني أرنولد توينبي، لكن سريعاً ما يكتشف الغازي بوار تجارته، كل بحسب تجربته وقدرته على الصبر والتحمل، فمنهم من تكفيه السنتان أو الثلاث ليقرر المغادرة والرحيل، كما حصل مع البريطانيين، ومنهم من يبوء بإثم العشر سنوات كما حصل مع السوفييت، وآخرون كالأمريكيين يريدونها الضعفين؛ عشرين عاماً!

العنوان العريض لكل هذا، أن التراجع والهزيمة ليسا خياراً، وإنما قدرٌ محتوم وضرورة للغازي، فكل شيء هنا يعود إلى حالته الطبيعية. وعلى الرغم من النصيحة الثمينة التي قدمها الأمير الحديدي عبد الرحمن خان (1880-1901) لمن خلفه، فلا أحد قد عمل بها، لأن الكل يريد تجريب المجرّب، يقول خان: "من السهل احتلال أفغانستان، ولكن من الصعب المحافظة عليها".

سيذكر التاريخ جيداً ذلك المشهد الهوليودي الذي خلّفه إخلاء القوات الأمريكية، مطلع الشهر الجاري لقاعدة بغرام الواقعة على بعد 60 كم شمالي كابول، حين غادرتها القوات الأمريكية، فأطفأت أنوارها أوتوماتيكياً بعد عشرين دقيقة من رحيل آخر طائرة لها، دون أن تُجشّم نفسها عناء إبلاغ قوات حليفة لها لعشرين عاماً، فكان أول من اكتشف الرحيلَ اللصوصُ وقطاع الطرق الذين تسلّقوا المحراب، لينهبوا ما خفّ حِمله وغلا ثمنه، لتفاجأ القوات الأفغانية الموجودة في أقصى القاعدة، بالجلبة التي أحدثها اقتحام اللصوص، فتدخل عليهم الباب وتطردهم منها.

وكما طبع رحيل القوات الأمريكية عام 1972 سايغون الفيتنامية، بمشهد المروحيات التي تُقلع من سطح السفارة الأمريكيةيومها، حاملة قواتها وديبلوماسييها، وتاركة حلفاءها الفيتناميين لحتفهم، يتكرر المشهد بشكل أكثر قساوة هذه الأيام في أفغانستان.

تصريحات الحليف الأفغاني تُنبئ بحالة الإحباط تجاه القوات الأمريكية، بدءاً بإقصائه تماماً عن محادثات الدوحة، وقصْر كل المحادثات على واشنطن وطالبان، وانتهاءً بانسحاب "سريع متعجل غير مسؤول"، كما وصفه أحد قادة الحرب الأفغانية الحكومية، عطاء محمد، في حديثه للأسوشيتد بريس.. انسحاب قضى بحرمان الحليف الأفغاني من الغطاء الجوي الأمريكي، الذي أثبت لعشرين عاماً بأنه الكفيل الوحيد لوقف تقدم مقاتلي طالبان، فكانت النتيجة انهيارات سريعة للحصون، كبيت من ورق، أو قصر من رمال، انهيارٌ لم يكن يتنبأ به أكثر المتفائلين بنجاح الحركة.

وعلى الرغم من نصيحة الأمريكيين للحكومة بإخلاء المديريات القصيّة لصالح التحصن في المدن، وحمايتها، والتحكم بطرق المواصلات الرئيسة، مع المحافظة على معابر الحدود، فإن المصائب حين تأتي لا تحلّ فُرادى؛ فقد انهارت أكثر من 150 مديرية من أصل 398 مديرية أفغانية في غضون أسابيع فقط، وتداعت معها معظم معابر البلاد التي تشكل شرعية الدولة أمام العالم، فسيطرت طالبان على المعابر مع طاجكستان ثم مع إيران وتركمانستان، وبعدها معبر وش في سبين بولداك مع باكستان، ونجحت على الفور في السيطرة على الطرق الرئيسة الواصلة بين الشمال وكابول، والأخيرة وقندهار مروراً بغزني، مما قطّع الجزر المتناثرة التي تسيطر عليها قوات الحكومة.

هذا التقطيع انعكس بشكل كبير على القدرة على توفير الإمدادات للقوات التي غدت شبه محاصرة، فنفد مخزون الذخيرة والمواد الغذائية للمحاصرين في تلك الجزر المحاصرة، نتيجة غياب الاغتيالات الجوية الأمريكية عن فك الحصار عنها، إما بإلقاء الدعم لها، أو بقصف عدوها لإرغامه على التراجع ورفع الحصار.

أما طالبان فقد عززت تحييد الطيران الأمريكي باستراتيجية محكمة بشلّ الطيران الأفغاني الحكومي أيضاً، فنفّذت سلسلة اغتيالات لكوادر سلاح الجو الأفغاني، وتحدثت وكالة رويترز عن اغتيال سبعة طيارين في غضون شهر تقريباً، وهو ما أثار الخوف والهلع وسط القوات الأفغانية الجوية والبرية، استهلّه رحيل مبكر لقائد المليشيات الأوزبكية الجنرال عبد الرشيد دوستم عن أرض المعركة، مع اجتياح الحركة معقله في ساري بول وقتلها عدداً من قيادييه.

لمواجهة السيناريو الأسوأ بدأت الأصوات تتعالى بتشكيل مليشيات محلية لمواجهة حركة طالبان بعد أن بَانَ عجزُ الحكومة الأفغانية عن المواجهة، فارتدَت البلاد مرة ثانية هُوية العرقيات والمذاهب المؤمّلة بالحماية الجوارية لمواجهة الحركة، وهو ما ذكّرنا تماماً بلعبة القوى الإقليمية بديلاً عن اللعبة الدولية في أفغانستان، وتلك قصة بحاجة إلى مقال منفصل.

إنَّ تشكيل المليشيات المحلية لمواجهة تسونامي طالبان الحالي، هو الخيار الوحيد المتبقي أمام القوى المصرّة على المواجهة المحسومة سلفاً، لكن تبقى لعبة القمار ليست حكراً على اللاعب الخارجي فقط وإنما للاعب الداخلي نصيب منها. فمع عجز الحكومة عن الصمود، نتيجة تجربتها المريرة الفاشلة لطالبان في التسعينيات والتي لا تزال حيّة في أذهان الأحياء منهم، إذ هم يعرفون تماماً أن تسونامي الحركة يومها هزم في أشهرٍ أحزاباً جهادية، عجز السوفييت عن هزيمتها لسنوات، فتوجتها الحركة يومها بالسيطرة على بلد قهر الغزاة والمحتلين.. ظهرت قبل أيام مليشيات في مزار الشريف بقيادة "تسليمة مزاري" الشيعية التي تدير مديرية شمالية، وفي باميان معقل الهزارة الشيعة تشكلت مليشيات محلية.

لكن الأبرز في هذه التعبئة والحشد القبلي والمحلي هي عودة قائد الحرب الأفغانية المعروف في الشمال عطاء محمد، القائد البارز التابع للجمعية الإسلامية، من جديد ليهدد بالمقاومة وبحشد أتباعه، ومعظمهم ممن سبق وقاتل الحركة في التسعينيات، وسار على نهجه العقيد إسماعيل خان في هيرات، الذي ينتمي إلى نفس الفصيل، بطل الحرب ضد السوفييت والذي كان من أوائل المنشقين عن الحكم الشيوعي عام 1979.

يحصل هذا مع قناعة البعض التي يخفيها بأن الاندفاعة الطالبانية قوية معنوياً ومادياً، وهي المتسلحة بهزيمة ألحقتها بتحالف دولي يعد الأقوى منذ الحرب العالمية الأولى والثانية، مما يزيد في إصرارها على خيار الحسم ولا شيء غيره في قاموسها.

   إنَّ تعليق الآمال على مفاوضات ومحادثات يمكن أن تسفر عن خلطة أفغانية يشارك فيها الأفغاني الحكومي مع الطالباني المنتصر مجرد سراب، فلا الطالباني الذي يشعر بالانتصار في وارد المساومة، ولا الأفغاني الحكومي المُحبط من الحليف الأمريكي المتخلي عنه قادرٌ على فرض إرادته

 

طالبان هذه المرة اختلفت في تحركها ما بعد الانسحاب عما فعلته فصائل المجاهدين الأفغان بعد الانسحاب السوفييتي، فاستوعبت درسه، فلم تهرع للسيطرة على المدن كما حصل مع المجاهدين الأفغان يوم رحيل القوات السوفييتية عام 1989، فكانت عاقبته يومها انتكاسة جلال آباد، بل اختطت لنفسها هذه المرة استراتيجية إسقاط المديريات كسباً للزخم المادي والمعنوي، صاحبَه اقتحام السجون وإطلاق سراح المئات من معتقلي الحركة، لتتوجه بقطع الحكومة الأفغانية عن جوارها، وتسيطر على المعابر. وتبع هذا قطع الطرق الرئيسة بين المدن، فباتت بذلك تحاصر على الأقل عشر مدن رئيسة، قد تكون مهددة بالسقوط في القريب العاجل. ورافق هذا انهيار معنويات القوات الحكومية، حيث فرّت عناصرها إلى الدول المجاورة كطاجكستان وباكستان.

إنَّ تعليق الآمال على مفاوضات ومحادثات يمكن أن تسفر عن خلطة أفغانية يشارك فيها الأفغاني الحكومي مع الطالباني المنتصر مجرد سراب، فلا الطالباني الذي يشعر بالانتصار في وارد المساومة، ولا الأفغاني الحكومي المُحبط من الحليف الأمريكي المتخلي عنه قادرٌ على فرض إرادته.

إنَّ المنتصر الذي أشبه ما يكون بالمطرقة مصرٌّ كالعادة على أن يكتب نهاية فيلمه، الذي قد لا يكون بالضرورة فيلم الجميع، بينما المنهزم الذي هو السِندان الذي سيتحمل الطرْق، فليس لديه سوى قهر الانتظار.