حينما يصبح اللعب من أجل الخسارة
كمال الحارثي
كمال الحارثي

ما بين اللعب بالنار ، وبين اللعب بالوقت .. تكاد ترتسم ملامح المرحلة القادمة ، بكل تفاصيلها القاتمة ، أو تعابيرها المبتهجة ، هذه أو تلك ليست نتيجة وحده رئيس الحرب الأهلية (صالح ) من يستطيع أن يحسمها أو يقررها ، رغم أنه يحاول جعلها كما يتمنى ، لكن اللعبة لها قوانينها وظروفها ، والتي لا تكتمل في ظل وجود خصم يفوت الفرصة في أول طريقها للتشكل، ويجعل من الصعب الاستمرار في اللعب من قبل طرف واحد ... وهذا ما أبرزته المحاولات اليائسة من قبل علي صالح في كسب الرهان متنقلاً بين كل السبل التي كان يراها ممكنة ، متجاهلاً أن هذا الشعب الذي عمل هو جاهداً على تجهيله وتخويفه وإرهاقه بالمشاكل والأزمات، قد يربح المعركة وبالذات أن الظروف زادته خبرة ودراية بألاعيب الرئيس وأصبح أكثر وعياً بمصالحه وصناعة مستقبله، وهاهو صالح يستدرجه إلى نطاقه مرة بالوعد ومرة بالوعيد ، وأحياناً كثيرة بالمراوغة التي طالما عادت بالرئيس صالح إلى أول الاحتمالات ، لكن المربعات الخطرة كانت مستبعدة من أن يصل الدور إليها حتى خلق صالح أجواءها وأشعل فتيلها و بعدها بات كل شيء متوقعاً بعد أن قفز علي صالح إلى الجحيم من خلال محاولته جر القبائل إلى دائرة الحوار بالنار بطريقة لا تكشف أكثر مما هو مكشوف من إفلاس هذا المتهالك ، والغريب في الأمر أنه يفكر كيف يشعل النار لكنه لا يفكر كيف يطفئ نفسه وقد وقع حطباً تذكيها لعنات الشعب وقرارات المجتمع الدولي ومواقف المؤيدين له حتى تلك اللحظة .

أعتقد أن إراقة الدماء بلا مبرر ليس هو اللعب بالنار الذي كان يحذر منه الرئيس خصومه من المعارضة بل هو النار ذاتها ، وبرغم أن صالح يتجه إلى هذا الخيار بكامل قواه الكيدية والعسكرية والإعلامية ، إلا أنه لا يوظفها بذكاء كاف لصرف النظر والأصابع عن اتهامه في الانزلاق إلى هذا الخطر ، بل إن تبعات تهوره لا زالت تحاصره وتضعف خياراته ومبررات بقائه .

عندما حاول صالح اللعب بالوقت ، لم يكن يدرك أنه سيكسبه إلى مرحلة معينة فقط ... ويتحول اللعب بعدها إلى إضاعة بطريقة أخرى للوقت من بين يديه فيخسر تلك المكاسب التي كانت ستكون لولا أنه قرر بغبائه أن لا تكون ، وفي كل هذه المراحل يخرج الشعب اليمني أكثر دربة وتمركز خلف حكمته وعقلانيته ، وإلا من كان يتوقع أن في كل منعطف خطر يقاد إليه الوطن ... لا تزال إمكانية التوقف عند الخطوط الحمراء قائمة وأنه لا تزال هناك حواجز تمنع من السقوط في مستنقع الاحتراب ، وما يدلل على هذا أكثر من أن يحصى ضمن فشل علي صالح في اجترار البلد إلى الحرب الأهلية .

من المؤكد أن صالح بذل قصارى جهده في تصوير شعبه بأقبح الصور وأهانه إلى درجة أصبح خلالها المواطن اليمني يستحي أن يبرز انتماءه لهذا البلد ، لكن الشهور المنصرمة عكست بجلاء كم هو هذا الشعب لا يشبه رئيسه ...وبات المواطن اليمني يخجل من رئيسه وليس من وطنه ، ولذا صار أول أهدافه لاستعادة كرامته إزاحة هذا المخلوق العجيب الذي يسمى رئيس البلد الذي لا يعرف من السياسة غير المراوغة ، ولا يعرف من البناء غير الاستقواء والتحصن ، ولا من الديمقراطية غير الاستغلال . ولا من الوطنية غير الاستهلاك القذر تماماً مثلما كان القذافي ممثلاً سيئاً لشخصية المواطن الليبي ، وظهر الليبيون بمواصفات كما لو أن الله أراد أن يدلل على الجمع بين التناقض الفج بين الحاكم والمحكوم في وطن واحد .

لقد جرب علي صالح وسيجرب أوراقاً كثيرة .. لا تؤدي إلا إلى قناعة مكتملة بأن هذا الشخص عبارة عن مخزون هائل من السوء والحقد والمكر والغباء في الوقت نفسه . وبالتالي تتجلى حكمة الله في استدراج هذا الظالم إلى أسوأ النهايات من خلال رفضه كل ما كان سيمنحه الخروج بشرف .

من الضروري القول أن ما أظهره الشعب اليمني من وعي وحكمة وحذر ليس كافياً إن لم يتحمل مسئولية التأثير في من تبقى مع صالح ، وما يشكلونه من خطر يستخدمه صالح في إرباك وإحراق البلد .. وتحفيز ضمائرهم وتفكيرهم لكي يروا أنفسهم أكبر من أن يظلوا عصا صالح الغليظة التي يلوح بها في وجه شعبه .. وإنما هم جزء من الإنسان اليمني بكل مميزاته ووطنيته وحكمته .

كل الشرفاء يتملكهم استغراب عجيب ومفرط ، وتساؤل عن نوعية المشاعر الوطنية لأولئك وهم يرون ابن اليمن البار كما يسمونه يدمر البلد ويحطم مقوماته لغاية بسيطة جداً مفادها أن في اليمن قاعدة ،وينهب الثروات ويميت الشعب ويقطع الضوء ويحجب الفضاء من أجل أن يرمي بهذه الأزمات إلى خصومه . كل ذلك يمارسه بطرق مكشوفة وسمجة . ومع ذلك يسهل عليهم تصديق ذلك ، ويسهل عليهم البقاء معه . وهذا يقودنا إلى الاعتراف بأن علي صالح لم يفشل تماماً عندما جهّل الشعب ورسم تفكيره وجعل عقله وعاءً لمغالطاته ، والدليل أن هناك من تمرر عليهم هذه السياسات الهشة .


في الثلاثاء 31 مايو 2011 05:53:52 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=10447