المهمشون «الأخدام».. ظلمة ومظلومين!!
د شوقي الميموني
د شوقي الميموني

شدني لكتابة هذا الموضوع تقرير قراته عن المهمشين (الأخدام ) في نيويورك تايمز.

تقرير خاص نشرته صحيفة نيويورك تايمز يوم الأربعاء 27 فبراير 2008 من مراسلها السيد روبرت وورث تقرير يثير الشفقة وحياة البؤس التي يعيشها المهمشين في اليمن.

صحيفة نيويورك تايمز هي موجهة الصحافة الأمريكية فبقية الصحف المشهورة تحدد موقفها في القسم السياسي بعد صدور النيويورك تايمز وقراء هذه الصحيفة يعد بالملايين في أمريكا وفي جميع أنحاء العالم، والحمد لله أضيفت صورة قاتمة جديدة إلى السجل الأسود لانتهاكات حقوق الإنسان في بلد الحكمة والأيمان.

يقول التقرير: ان هذه الفئة المليونية تأتي في أخر السلم الاجتماعي الطبقي والذي يبدأ من السادة والشائخ والقبلي والمزارع حتى يصل إلى الجزار وهلم جرا... وتعاني من اضطهاد وإهمال وتحقير رسمي وشعبي فهم أما متسولين أو مكنسين للشوارع وهذه الوظيفة الأخيرة وان كانت وضيفة حكومية إلا انهم يتقاضون مرتباتهم المتدنية بشكل غير رسمي ولا يثبت أي منهم في وضيفته مهما كثرة سنين الخدمة وقد تصل بالبعض منهم إلى عشرين سنة خدمة عكس بقية الناس القبائل يتم تثبيتهم خلال مدة ستة أ شهر.

ويقول أيضا أما نسائهم فتهم الشرمطة تلاحقهن حيث ذهبن , وهذه الفئة من المهمشين اكثر عرضة لانتهاكات حقوقهم وكرامتهم ألا إنسانية حتى ان البعض منهم يقتل كالحيوانات خصوصا على أيدي المشايخ النافذين دون رادع ديني أو أخلاقي أو قانوني.

ويستطرد الكاتب أن عبوديتهم هذه اشتدت من عهد الإمامة «ونحن نعرف أن وقوفهم وانضوائهم في دولة بني نجاح التي كانت من الملونين القادمين من الحبشة وبلاد النوبة في الساحل الغربي لتهامة (أيام الذبح في الغزوات وصراع الدويلات والمذاهب والفئات الإسلامية فيما بينها) وكانت هزيمتهم على يد الأمام المؤيد (من رب العالمين) القادم من بلاد مطلع بجيش جرار من القبائل الزيدية ومن يومها فرضت عليهم حياة الذل والمسكنة أو ما تشبه حياة العبودية وعرفوا باسم الأخدام ليس خادما لله ولا خداما للشعب مثل المسؤولين ولكن للسيد (سيدي) ويعرفون ناحية صنعاء (ببني سويدان ) صفة تحقيريه نسبة إلى لونهم».

ويسرد التقرير ويقول ان الثورة السبتمبرية في العام 1962 لم تغير من الأمر شيئًا وانخرط الكثير منهم في صفوفها لعلى وعسى واشتهر منهم البطل فيروز الذبحاني في حصار السبعين على العاصمة صنعاء إلا ان انكسار مسار الثورة أبقى الأمور على ماهي عليه لا انتفع منها الأخدام ولا القبائل فالملكيين خرجوا من الباب وعادوا من النافذة برداء جملكي أو كما يقال دحر أمام وحل مكانه الف إمام.

ويستعرض الكاتب حالة الأكواخ التي يعيشون بها وهي بحجم 8 × 8 قدم وارتفاع 6 قدم ولا تصلح حتى ملجأ حيوانات وهي مزرعة خصبة لكل أنواع الحشرات والبعوض والأوبئة القاتلة التي تقصر بأعمار أطفالهم وتقضي عليهم وكل شيء بأجل مسمى فنسبة الوفيات بينهم واحد من بين كل عشرة وهم الأقصر عمرا بين السكان والأكثر عرضة للأمراض الفتاكة بين الصبيان.

والى جانب انعدام الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والمجاري لا توجد لهم مراحيض صرف صحي يتبرزون بجوار الأكواخ ونسائهم داخل الأكواخ وعند كل منعطف انتخابي جاهزون ببيع الصوت الواحد لحزب المؤتمر الحاكم مقابل ربطة قات ومواعيد جوفاء كاذبة لتحسين ظروفهم تتبخر بمجرد فوز مرشح الحكومة.

يقول التقرير أيضا بإمكان الخادم تدبير غذاء يومه من برميل قمامة أومن باب منزل أو مطعم أما دخله المتدني أصلا فيذهب في شراء (تخزينة قات), فنسبة الأمية بينهم أعلى نسبة في البلاد ومثقفيهم يعدون بأصابع اليد.

وبالرغم من ان مانحين دوليين قدموا لهم مساعدات عبر وسطاء حكوميين برغبة الحكومة من أجل صيانة السيادة والاستقلال وإبعاد عنهم تهمة التعامل المباشر مع الأجنبي فقد ذهبت هذه المساعدات إلى جيوب السادة الحكوميين الوطنيين.

وقامت الحكومة ببناء وحدة ملاجئ سكنية متواضعة وسلمتها لمجموعة منهم بدون أوراق ثبوتية (حتى لا يتمردوا ويبطروا على الحكومة). وعندما نظموا مسيرة احتجاج سلمي ضد أحد النافذين في مدينة تعز و الذي سرق مستحقاتهم المالية أطلق عليهم النار بالذخيرة الحية.

إلى هنا ينتهي تقرير الصحيفة.

طبعا التقرير مدهش جدا ومخزي جدا للنظام اليمني لكنه نقل الصورة كما هي وكأننا نعيش في العصور القديمة التي كانت حياتهم مليئة بالطبقية المقيتة والاستعباد والاسترقاق قد تختلف المسميات والأوصاف ولكن المحصلة واحدة.

المجتمع العربي قبل الإسلام كان من ضمن المجتمعات العربية التي كانت الطبقية حاضرة لديها بشدة فتجد العبيد والسادة والأغنياء والفقراء والأصول والفروع والأبيض والأسود وغيرها من معايير طبقية ذلك الزمن.

جاء الإسلام وبدأ فورا بمعالجة تلك الآفات التي كانت لديهم فرهب ورغب ومنع وقطع فمثلا رغب الإسلام في تحرير الإنسان من العبودية بان جعل عتق الرقاب مرتبط بالتوبة من الآثام والمعاصي سواء كانت صغيرة أو كبيرة قال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) وجعل تحرير الرقاب شرط للرجوع عن اليمين أو تأديب وكفارة لمن يظاهر من زوجته أو لمن يأتي زوجته في نهار رمضان وغيره من الكفارات الأخرى.

وعالج الطبقية والتفاخر بالأنساب وغيرها و ففي الصحيح [عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي الناس أفضل؟ قال: (أتقاهم), قيل له: ليس عن هذا نسألك, فقال: يوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله فقيل له: ليس عن هذا نسألك فقال: عن معادن العرب تسألوني؟ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا].

فدل الكتاب والسنة أن أكرم الناس عند الله أتقاهم.

وفي السنن عن النبي صلى أنه قال: [لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى كلكم لآدم وآدم من تراب].

وعنه أيضا صلى الله عليه وسلم أنه قال: [إن الله تعالى أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء الناس رجلان: مؤمن تقي وفاجر شقي] فمن كان من هذه الأصناف اتقى لله فهو أكرم عند الله وإذا استويا في التقوى استويا في الدرجة بذلك ذابت الطبقية والعنصرية في المجتمع الإسلامي.

كل الاحاديث والآيات المذكورة ما نزلت إلا لتبين للناس ان الناس سواسية كأسنان المشط وانه ليس لاحد الحق ان يستعبد الناس أو يحتقرهم أو يقلل من قدرهم للون بشرتهم أو جنسهم أو فقرهم أو مهنتهم وان التفاضل فقط بالتقوى.

تربى المجتمع الإسلامي على ثقافة مغايرة لما كان عليه المجتمع قبل الإسلام فساد بين الناس الإخاء والحب والمساواة والرحمة والتعاطف والإنصاف وتكامل الفرص والحرية وإبداء الرائي بما لا يتنافى مع الدين الحنيف وساد بين الناس التعاون والإيثار والرحمة والأخلاق الحميدة.

فهذا بلال كان عبدا قبل الإسلام فاصبح سيدنا بعد الإسلام وهذا سلمان الفارسي رفعه الإسلام حتى صار من آل البيت بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم سلمان منا ال البيت كذلك خباب ابن الأرت وصهيب الرومي كلهم اصبحوا سادتنا بعد ان اسلموا .

مشكلة المهمشين ومن هم على شاكلتهم تكمن من وجهة نظري في ثلاثة عوامل:

العامل الأول: ان النظام الذي يحكم اليمن لم يعاملهم انهم بشر لهم حقوق وواجبات ولم يقدم لهم أي مساعدة كي يرتقي بهم أو يعلمهم أو يحسن من مستوى معيشتهم بل بالعكس ساعد على بقائهم بهذا الشكل المخزي واستغلهم أيما استغلال والتقرير قد أوضح ذلك وعكس صورة حقيقة لوضعهم في المجتمع.

العامل الثاني: هم انفسهم فانا اعتبرهم سبب رئيسي في مشكلتهم فالنفس البشرية دئما تألف ما تربت ونشئت عليه منذ الصغر فينطبع الإنسان بالبيئة المحيطة به والتي تربى فيها أما المفاهيم والسلوك والأخلاق التي يغرسها الأبوين منذ الصغر فلها اكبر الأثر على تفكير الإنسان واعتقاده وطريقة حياته في المستقبل ، ويوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا المفهوم ففي البخاري من حديث ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل مولود على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم سورة لقمان).

وكما قالت العرب من شب على شيء شاب عليه والشاعر العربي يقول:

وينشأ ناشئ الفتيان فينا ...على ما كان عوده أبوه:

فتجد كل جيل يأخذ الصفات التي ورثها عن أبوه ويعيش عليها ويرضى بها ، نفسية مهزوزة شعور بالنقص ورضى بالدون والذل والمسكنة فلو تغيرت هذه المفاهيم في نفوسهم لتغير حالهم وواقهم ولو طالبو المجتمع والدولة بحقوقهم ومعاملتهم كمواطنين واصروا عليها لتغير حالهم لكنهم سكتوا ورضوا بحياتهم ومعيشتهم فلم يلتفت احد اليهم.

الغريب في الأمر انه برغم ما يجدونه من مهانة ومعاملة سيئة من نظام الحكم إلا انهم من اشد المناصرين له ضد ثورة الشباب فتجدهم في الصفوف الأولى في مهرجانات الحاكم وتجدهم يرددون ما يقوله لهم في بيوتهم ومجتمعهم حتى أولادهم يرددون ما يسمعونه كذلك.

العامل الثالث المجتمع: فقد ساعد أيضا في استمرار معاناتهم فلم يلتفت اليهم ولم يتقرب منهم ويحاول إخراجهم من البوتقة التي أحاطوا انفسهم بها بل ان المجتمع زاد من معاناتهم بنظرته لهم المنتقصة لإنسانيتهم وازدرائهم وشعوره انهم من طبقة دونية.

برغم كثرتهم وعددهم الذي يقدر بمئات الألاف إلا أننا لم نلمس لهم أي دور يذكر في ثورة الشعب اليمني هم يمنيين ومن مكونات المجتمع اليمني فلا ينبغي إهمالهم وانخراطهم في صف الثورة في غاية الأهمية وسيعطي الثورة زخم اكبر .

في اعتقادي ان الحل هي المبادرة اليهم واحتوائهم وشرح وجهة نظر الثوار منهم وإيضاح الصورة لهم في ان الثورة هي الحل الوحيد لنقلهم نقلة نوعية من حياة البئس والمعاناة التي يعيشونها إلى حياة افضل يشعرون فيها بإنسانيتهم وانهم بشر مسلمون ليس بينهم وبين أي مواطن فرق متساويين في الحقوق والواجبات يأخذون حصتهم الكاملة من التعليم والصحة والرعاية والوظيفة والمسؤولية في بناء اليمن الجديد.

وبذلك نكون قد فعلنا عضو في المجتمع ونقلناه من دائرة الخمول والسلبية إلى دائرة العمل والإيجابية واكسبنا المجتمع زخم جديد وأيادي تساعدنا في بناء يمننا الجديد في ظل دولة مدنية إسلامية تتكافأ فيها الفرص وتتساوى فيها الحقوق والواجبات.


في الثلاثاء 02 أغسطس-آب 2011 11:15:24 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=11210