سندريلا تعز واحمد اليمني
زعفران علي المهناء
زعفران علي المهناء

مأرب برس ـ خاص

أغلقتُ سماعة الهاتف بعد أن عزمت على السفر لحضور ذلك البرنامج التدريبي الخاص بتقنيات الحشد الجماهيري النسائي.

شدني العنوان وشدني المكان ،الذي سيقام فيه التدريب فقد اشتقت إليه كثيرا!!!

واشتقت لحضور برنامج تدريبي،أكون احد أفراده المتدربين، لا تناط لي أية مسئولية أقوم بانجازها

عدت إلى منزلي، ألقيت نظرة إلى زهراتي، ووجوههن المبتسمة، وهن يعددن لي العدة لإجراء التحقيق اليومي حول كل ما قمت به في يومي هذا؟

أمطرنني بوابل من الأسئلة،كيف كان اجتماعك اليوم؟

هل ذهبت إلى تلك الدورة؟

هل قابلت ذلك السيد ؟

هل أنهيت قصة تلك السيدة؟

أين قصة اليوم؟ التي ستقصينها على أسماعنا؟ حول مآسي الناس الذين تصادفينهم في عملك؟

كل هذا أجبت عليه وأنا احمل هم!!هم .. كيف سأخبرهن بقرار السفر؟

فأمامهن تسقط مطالبة المرأة اليوم بحرية السفر متى شاءت !!!

عندما تعبس جباههن الطاهرة وتتلوى شفاههن الرقيقة ،جراء هذا القرار

 وبادرنني بالسؤال:

متى السفر ؟!

ومتى العودة؟!

وتجاهلن الغاية من السفر ،والهدف المرجو تحقيقه منه.

أجبت كالتلميذة، زائغة العينيين، مذعورة أخشى غضبهن المغلف بالقلق من غربة الليل الذي يعانين منه أثناء سفري.

سيكون يوم ( ......... ) ولمدة عشرة أيام.

فتر الحديث بيننا كثيرا، وأحسست أن كل واحده أشاحت بوجهها عني،وقلبها يحدثها بقلق عن غربة الأيام العشرة القادمة!!

نظرت إليهن بعد أن أعلنت كل خلايا جسدي التحدي والإصرار على التوجه نحو السفر، وأنهن على قدر من المسئولية بحيث تمر العشرة أيام دون أية متاعب.

أغلقت عيني وسالت نفسي: هل سأجد في تعز تلك السيدة؟!

وكيف هي تعز!! فلي سنوات عده من زيارتها؟

وكيف جبل صبر وبنات صبر ؟

والبتول وأغاني البتول!!

وحاولت أن أدندن بأغنية للبتول ،ولكن للأسف لم أتذكر شيئا.....!! ،ولكنني أتذكر فقط أحاسيسي عندما اسمع ذلك الصرح الشامخ وهو يدندن بعوده أجمل النغمات وكأنه ينقش تلك الحروف والكلمات على كل ذره من أوتار عوده.

البداية.. كانت بانطلاق السيارة بإتجاه تلك التعز الأبيّة.. وأنا اسأل نفسي مع أنغام بتولها.. هل أشتاق إليها ؟؟؟ّ

لتأتيني الإجابة سريعة..

.. نعم..

وكيف لا اشتاق إلى كل ذره من وطني الحبيب.. وهي تعز

ففي كل ركن من أركانها بقايا تأريخ قديم وشواهد على العراقة

ومن أعلى تعز ...

ما زالت بقايا تلك القلعة الشهيرة .... قلعة القاهرة.

ومازالت أبواب تعز الشهيرة تقف شامخة أبيّه

فهذا دأبنا نحن اليمنيون..من فجر التاريخ ..نصنع حضارة راقيه ...فقد ازدهرت تلك الحضارة في مناطق ووديان اليمن ،وكانت دولة سبأ وهي أقدم الدول اليمنية القديمة وأخلدها ذكرا واليها ينتمي أهل اليمن جميعا ،وبلقيس هي ملكة سبا التي ذكر القران الكريم قصتها مع سيدنا سليمان

وكيف سيطرت اليمن بدولها المتعاقبة من القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الميلادي على التجارة في منطقة البحر الأحمر وبحر العرب ،وكانت سوق حرة تنظم سير القوافل التجارية العربية لكل العالم فكان غزو الأحباش الذي جثم على اليمن نصف قرن من الزمان ،تبعه الفرس الذي أخرجهم ظهور الإسلام ثم توالت عليها النفوذ الإسلامية المختلفة كالمماليك والأيوبيين والأتراك وكانت التجربة القاسية التي تمثلت في حكم انعزالي (إمامي ) استمر مطبقا عليها أمدا طويلا

حتى كُسر هذا الطوق بثورة السادس والعشرين من سبتمبر وهي الثورة التي مهدت للرابع عشر من أكتوبر .

آآآآآه كل هذا حدثت به نفسي وأنا أغوص بالحان أيوب طارش ولم يقطع هذا الحديث أي نقطة عبور بين المحافظات وهي نعمة يحسدنا عليها الكثير

وصلنا مساء وكان الجو ماطرا ولطيفا توجهنا أولا للعشاء ، لقد تغيرت تعز فتبدو لي في جنح الظلام كبيرة ...وسؤالي متى ستشرق شمس الغد لأعانقك يا تعز؟

وأغمض عيني على منظرك الجميل من قلعتك الصامدة.

بدأت يومي نشيطة سأعانق تعز وابدأ أنقب عن تلك السيدة

وطلبت من الفندق أن يحضر لي سيارة وطلبت من سائقها أول ذي بدئ أن نزور القلعة قبل الذهاب إلى برنامجنا التدريبي .

فاتجهنا وقد بدء الشعور بالغضب يساورني مصاحبا لذلك سؤال

ما هذا ؟؟؟

بدأنا بالارتفاع تجاه القلعة وبوصولنا هالني الاكتشاف والسؤال

ما هذا؟؟ يتكرر في نفسي

أن سر تعز.. أن ينظر إليها الزائر من أعلى فماذا يرى؟؟!!!

تعمقت كثيرا ووقفت صامته طويلا

كيف هذا؟؟!

جئت لأبوح لكي بالكثير فما أثقل وما أقسى ما أرى وما انظر

أتيتك يا تعز مثقله بما لا طاقه لي به من الأحاسيس... وأنتي تستقبلين بكل هذا الصمت والوجوم

عدت أدراجي مسرعه...

لقد تأخرت وما زال هناك في نفسي الكثير ،أحسست بجرح ينزف بداخلي، دخلت ملقية السلام باستسلام،وأندسيت بين الحاضرات،وبدأت عيناي الزائغتين تبحث وتفحص الوجوه،وأسال نفسي يا هل ترى أين تلك السيدة؟؟

وبدأنا التعارف واتى دوري وأحسست إن الطفلة بداخلي تعرّفني وتقول:

أنا لا أجيد التلون والتلوث ، كل أقنعتي حقيقية

 كل حكاياتي حقيقية

 كل أحزاني حقيقية

 وبداخلي جرح ينزف

كالغرباء تم التعارف وكالغرباء التقينا يا تعز؟

في عينيا دموع جامدة

وفي ثناياكي قلب لا يشعر وكنت كالأميرة بلا وطن !!!

استرسلت في يومنا التدريبي وتلمست في عيون جميع الحاضرات كيف سنمضي يومنا بعد التدريب

الجميع فر هاربا ، ليعود أدراجه ، وبقيت وحيده ، كل ما همهم بأمري تهنئتهم لي باني أعيش في صنعاء !!

تنهدت ... إإإإيييه يا صنعاء؟

توجهت ابحث عن سيارة لأعود أدراجي إلى الفندق ،بعد أن أمر على اقرب مقهى انترنت لتفقد رسائلي وكانت المفاجأة أن الخدمات ليست بالمستوى المطلوب ، انتظرت طويلا حتى تعطف علي احد سائقي سيارات التاكسي ومر من ذلك الشارع وطلبت منه أن يقلني إلى اقرب مقهى انترنت ، فبادرني بسؤال طالما اعتدت عليه من سائقي التاكسي

 الأستاذة عراقيه ؟؟ أم.. سورية ؟؟

قلت له: ما تشاء ، فكلنا أصلنا من اليمن تبسم وأحس بالنشوة وبدأ يسرد لي كيف أن اليمنيين أصل العرب وهجرتهم من اليمن إلى الشام ، ورحلة الصيف والشتاء، سرتني هذه الهوية الوطنية مما حفزني أن اسأله لماذا تعز واجمة وكئيبة؟!!

أجابني بعفويه : أنت إذاً لست من ساكنيها ؟ وقرر من ذات نفسه لقد أتيتي من عدن معقبا بصوت مرتفع الله الله على عدن

طبعا تعز لا شي بجانب عدن

الماء هنا غير متوفر والكهرباء دائما مقطوعة والشوارع كما ترين مكسرة ومهمله

ولا يوجد أي اهتمام بها.

ولم يدعني أكمل سؤالي عندما قلت له: وانتم

فأجاب مسرعا نحن ماذا ؟ اليوم كيس الدقيق بثلاثة ألف وثمانمائة ريال ؟ وأنا لا املك سوى هذا التاكسي فكرت في أن اطلع صنعاء ، اشتغل به ، ولكنني رجعت أدراجي هاربا بعد أن فوجئت بكم التاكسي الفارهة والجديدة إلى جانب التاكسي ذات اللون الأصفر فارتضينا أن نعيش هنا

فكان قولي له طيب ؟ ولماذا تركت سيارتك تصل إلى هذا الحال ...أمعائها مكشوفة وشرايينها متدلية؟!!

فما كان منه إلا أن مد يده وفتح درج السيارة واخرج ورقه طبية بعد أن حكم عليا بحكمه الثالث إني أتقن اللغة الانجليزية وأشار إلى احد السطور ليشرح لي كيف يعاني والده من مشكله تخص شرايين قلبه ...وهو يعيش على العلاج المكلف لصعوبة إجراء العملية.

 وسألني من أولى: شرايين من كان سبب وجودي أو شرايين هذه السيارة ؟!!!

مجيبا على نفسه... فدخلي موزع بين علاج والدي والتزامات أسرتي واسترسل بشرحه عن حلمه بالغربة التي أصبحت اليوم مستحيلة بعد أن داعبني بشكل طريف بأنه لا مانع في أن يغترب في سوريا إذا وفرت له أنا ذلك .

لم اجبه ،، فكان كل همي كيف سأغطي عجز ميزانيتي جرّاء ما قررت أن أعطيه له مقابل إيصالي وانطلقت من إيماني أن فوق كل كريم كريم...جازفت بقدر استطاعتي وأعطيته ذلك المبلغ ففرح فرحا فوق كل وصف بتلك الأجرة النادرة من نوعها وطلبت منه رقم تلفونه فأمطرني بوابل من الأيمان بأنه لا يمتلك جهاز خليوي وكل ما عليه أن احدد وقت له وقت يأتي لي كل يوم فيه ويأخذني حيث أشاء.

نزلت من السيارة وقد ودعته بكل الم

كان يوم شاقا على نفسي قلب كل حساباتي غصت بعدها بمتابعة أموري في صنعاء عبر الهاتف لأتفرغ في اليوم التالي لبرنامجي التدريبي وابحث عن تلك السيدة...

فكان يومي الثاني أكثر ألفه تجاذبنا أطراف الحديث بأكثر حميميه وأخذتنا الطرفة والمعلومة والأسئلة التشريحية ، كل مأخذ، كعادة كل النساء.. وبدأت أتلمس أن المرأة التعزية مرأة قوية وساخرة مع أنها محرومة!

 والتقت عيناي ببريق عيناها صغيرة لكنها كبيرة...عاقله وهي مازالت يافعة...متفوهة وهي لم تتجاوز الخامسة والعشرون ربيعا... 

اياترى من وراء تلك الرائعة

سألتها عن اسمها.....

فهي تحمل اسما أسطورية كثيرا ما كنت انسج لزهراتي القصص تحت هذا الاسم وكثيرا ما تخيلن أنفسهم بطلات يحملن نفس الاسم لتلك القصص

اقتربت منها كثيرا وبادرت بإسعادي

وبث الأمل بي سألتها لماذا؟

وجاوبتني بذكاء ؟

منذ الأمس وأنا اسمعكي تسألين لماذا ؟

وفهمت ما تقصدين ؟ ولكنني لا أريد أن أتجاوز الحاضرات ،

قلت لها لماذا يا أسطورتي ؟

همست لي اليوم سآخذكي في زيارة للقلعة وأجيب لكي لماذا؟

رحبت كثيرا لاقتراحها وأخفيت عنها أولى مبادراتي لزياتي لتلك القلعة ،و تحدثنا كثيرا وبهرت برجاحة عقلها فهي بالتأكيد ليست نتائج مدارسنا المكتظة بالطلاب الخالية من المدرسين، فهل ياترى من وراء ذات الاسم الأسطوري ؟

قالت لي يا أستاذه : عندما اتيتي إلى هنا ورأيت تعز... من هنا يكون سؤالك لماذا ؟

فقلت لها لماذا ؟

فأجابتني : الناس يتقاسمون العطش ... ويغتسلون بالهموم ؟

يتظاهرون بالفرح... ويضحكون على غباء احولهم ؟

يتراقصون تحت ضوء القمر... حين يعيشون في الظلام

يتبارون في بالكذب... حين يمارس عليهم الظلم والحرمان؟

يتقاسمون الحزن ...ولا يتقاسمون الارغفه حين يشتد الجوع ؟

يهجرون صوت مغنييك المبدع وعوده... إلى أحضان هذه الأقمار المزعجة على سطوح منازلهم

وهنا مضيت امشي بعدها بلا تردد...لنغادر القلعة كالغرباء

كسرت ذلك الوجوم بسؤالي : من كان له الأثر بان تكون كما هي عليه الان

وجهت إلي الدعوة لزيارة منزلها وفرحت فرح الأطفال بالعيد أكيد ساجد شيئا في غرفتها

كتبها

أورقها

رسوماتها

فكان منزلها يقطن خلف باب موسى ، يعبق برائحة الاصاله التي تفوح من كل أركانه استقبلتني والدتها بكل ترحاب فوجدت بعينيها بريق رغم بساطتها،دخلنا إلى غرفتها فالبيت يعج بالعمال استعدادا لتهيئة المنزل لاستقبال عروستي أخويها بعد العيد .

تنقلت بنظري كالعادة ابحث عما يروي ضمأي حول من وراء ذات الاسم الأسطوري

وقعت عيني على صورة رمز البلد ،وهو يصافح رجل ما ؟وقد بروزت بإطار جميل وعلقت كنوع من المباهاة.

تفحصت ذلك الرجل فقلت له والمفاجأة تكسو عيني أليس هذا أبو الدحابش في اليمن

تبسمت وقالت نعم

وماصلته بكي

تبسمت ابتسامة اعرض وقالت: الم تعرفي من أسمي ياستاذه ؟؟هذه نقطة عليك

 تمتمت اسمها بالكامل والدهشة تأخذني!!!

ودخلت الأم وبريق عينيها يلمع أكثر مما كان عليه حين دخولنا

مجيبة نعم : أبو الدحابش ...لكنه هو من يقدم الكوميديا البناءة

اتجهت بأنظاري إلى الأم بكل إعجاب فوق كل ما أنا عليه من ذهول وتبادلنا الاسئله

وبينت لي رأيها بالكوميديا الان سواء كانت على المستوى العربي في مصر أو سوريا أو مسلسل طاش ما طاش وبين وضع الكوميديا في اليمن جازمة وقاطعه أن زوجها من أسس الكوميديا في اليمن وانه رجل يقدم فن يبني الوطن وإنها مؤمنه ومفتخرة بكل ما قدمه زوجها واستعرضت كيف كان يشاورها ببعض المشاهد التي يقوم بها ليستنير برأيها.

وهنأتها بإبنتها ذات الاسم الأسطوري

فقالت بكل فخر لقد اسماها أبوها.... وأنا وأبوها نعيش من اجل أن نوفر لأبنائنا فرصة أن يكونوا أفراد صالحين داخل هذا المجتمع... وبينيتي هذه مازلت في أول الطريق وهي أقرب أبناؤه إلى نفسه وقد سعى أن يوفر لها كل ما يستطيع حتى تصل إلى ماهي عليه الان.

تجاذبنا بعدها شتى أنواع القضايا وكنت كل ما أحاول أن اغلبها أجد نفسها أقف إكبارا لتلك السيدة العظيمة التي وقفت وراء من أسمته بمؤسس الكوميديا في اليمن وربت له ذات الاسم الأسطوري وتقطن خلف الباب التاريخي وسط عبق التاريخ

فكم أنت محظوظ يا من أدخلت السرور على الملايين في ربوع الوطن

ولله درّك يا تلك السيدة


في الخميس 07 يونيو-حزيران 2007 10:44:37 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=1923