باجمال مدين بتصحيح!!

يستطيع رئيس الوزراء -أي رئيس وزراء- أن يمنع لسانه عن إطلاق التصريحات الصحفية، لأن التصريحات جزء مهم من وظيفته ويجوز تعريف رئيس الوزراء بأنه الشخص الذي يترأس إجتماعات الحكومة، وتعبر تصريحاته عن السياسة الرسمية لها.

وفي تاريخ الوزارات اليمنية لم يمر عليها رئيس تثير تصريحاته الجدل واللغط أكثر من رئيس الحكومة الحالي عبدالقادر باجمال، ليس لأن الرجل قليل الخبرة في انتقاء كلماته وتحديد معانيها، وإنما لأنه شغوف بالإدلاء بالتصريحات الصحفية والتحلي بالجرأة وفي كثير من الأحيان بالمكاشفة، في أمور يميل رؤوساء الوزارات إلى اتخاذ موقف الصمت منها، وإذا ألحَّ عليهم الصحفيون يتحدثون عنها باقتضاب وحذر.

ذات مرة دخل رئيس الوزراء عبدالقادر باجمال في جدال حاد مع صحيفة عربية كانت تسأله عن حقوق السيادة اليمنية على ممر السفن في مضيق باب المندب الذي يقع في إطار المياه الإقليمية لليمن، أجابها بأن الممر دولي وليس لليمن حقوق سيادية عليه، أنكرت الصحيفة هذا القول مؤكدة حق اليمن. فزجرها بقوله: من قال لك ذلك؟ أجابته: التاريخ.. فزجرها مرة أخرى: أي تاريخ؟

وكعادتها لم تكن الصحافة الأهلية متسامحة معه، وراحت تعيّره على هذا الموقف، لم تتهمه بالجهل بالتاريخ، وإنما بإطلاق الكلام على عواهنه. ولم يزعم أحد بأن ترك تهمة الجهل بالتاريخ من قبيل الشهامة لدى الصحفيين اليمنيين، الذين لاتخامرهم الشكوك بشأن المعلومات التاريخية عند رئيس الوزراء، وإنما عزوا ذلك إلى طريقته في معالجة المشاكل الحدودية بين اليمن وإريتريا القائمة آنذاك.

وبصورة ما، يمكن وصف تظاهر رئيس الوزراء بالجهل بالتاريخ بأنه موقف عملي ينم عن حكمة سياسية، إن لم تكن من وجهة نظر الآخرين فعلى الأقل من وجهة نظره هو.

مثل هذه الحكمة تبدو أكثر جلاءً في تصريح صدر مؤخراً عن رئيس الوزراء عبدالقادر باجمال نشرته إحدى الصحف السعودية، وفيه قال بدون تردد: «أعلن رسمياً ترشيح الرئيس علي عبدالله صالح للإنتخابات الرئاسية القادمة»، قاطعاً الطريق على صائدي الجواز من قيادات وكوادر الحزب الحاكم، الذي يشغل باجمال موقع الأمين العام فيه، وكأنه بهذا التصريح يقول لهم: لا تشغلونا بمسرحية إستخدام الشعب في الضغط على الرئيس كي يتراجع عن وعده بعدم الترشح، فالأمر كله «زنط في زنط» فما ستحققوه بمليارات الريالات أحققه أنا بتصريح مجاني.

وكرجل ذي موهبة وذكاء، لا يؤمن عبدالقادر باجمال بجدوى إدعاء الشعبية الكاسحة للرئيس، فهذا الإدعاء لن يقنع الآخرين، ولن يرفع الحرج عن الرئيس، بل هو مدعاة للسخرية. ومثل باجمال كان لويس بونابرت الذي حكم فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر، واقعياً لا تخدعه المظاهر الكاذبة. ويروى عن هذا الأخير أنه استهجن نفاقاً صدر عن أحد معاونيه، عندما قال له: «إنظر إلى حماس الشعب وهو في استقبالك»، لكن لويس بونابرت نظر إليه و خاطبه بإزدراء: «أنا أعرف معنى هذا المزاج، هذا الشعب سيكون أكثر حماساً لو وضعت رقبتي تحت حد المقصلة».

وبالقياس مع الدكتور عبدالكريم الإرياني الذي هدد مؤخراً باخراج المظاهرات الشعبية للضغط على الرئيس لإجباره على التراجع عن وعده بعدم الترشح، يبدو عبدالقادر باجمال عملياً لا تستهويه التصرفات العبثية الزائدة عن الحاجة، فبتصريحه القاطع المانع «أعلن رسمياً ترشيح الرئيس علي عبدالله صالح» طوى صفحة من الإكراه الإضافي لإخراج الشعب في تظاهرات تناشد الرئيس، وأحبط خطط المتربصين بميزانيات توظيف الشعب في الضغط على الرئيس، وربما قطع الطريق على الشامتين من الصحفيين العرب الذين يتحينون فرصة خروج هذه المظاهرت لتصعيد نبرة كتاباتهم الساخطة ضد ديمقراطية الحكام العرب.

على أن هذه التصريحات، وكثير مثلها صدرت عن عبدالقادر باجمال، لا تقيم لوقت طويل في الذهن، بل تتوارى في غمرة النسيان بفعل التصريحات الجديدة التي تصدر عنه فتزاحم ما سبقها وتحل محلها، أو لأن الجديد يأتي أكثر طرافة، وأكثر إستدعاءً للحيرة، وفي جميع الأحوال لا يسع المرء إلا أن يشعر في أعماقه بالإعجاب بهذا الرجل، الذي تتنوع مهاراته، وتتعدد مواهبة وتفاجئ جرأته الجميع.

ومن بين كل تصريحاته أمكن لواحد منها فقط أن يحفر لنفسه مكاناً راسخاً في عقول اليمنيين، لا يستطيعون نسيانه أو تجاهله، أو نسبته لغير قائله، وبغض النظر عن معناه، فإنه يدخل ضمن الاقوال الخالدة، التي تتناقلها الأجيال، وتحسب في زمرة النادر من الكلام، أقصد بهذا التصريح الفريد من نوعه، وصف رئيس الوزراء عبدالقادر باجمال للفساد بأنه «زيت التنمية».

«الفساد زيت التنمية» ليس قولاً سهلاً.. إنه مفهوم من مفاهيم الإستراتيجيات الكاملة، وبقدر ما يمثل إعترافاً بحقيقة قائمة، فإنه يعبر عن جوهر السياسة المعتمدة عملياً من قبل الحكومة التي يرأسها الرجل الذي اختار بنفسه وقت بروزه إلى سطح الحياة السياسية، إستناداً إلى مقولة غير عادية تستبدل المكان بالزمان، فلم يعد «الرجل المناسب في المكان المناسب» بل «الرجل المناسب في الوقت المناسب».

لكن المؤسف أن طريق التنمية في اليمن غدا زلقاً جداً بسبب من صب الزيت بكثرة عليه، وما أن يضع المستثمر قدمه على أول هذا الطريق حتى «يطمس» ويصل مباشرة إلى نهايته، ولكي تتوازن المسألة غدا من الضروري تقليل كمية الزيت المصبوب على طريق التنمية، ولا بأس هنا، في أن يصدر تصحيحاً عن عبدالقادر باجمال يحدد مقدار الزيت الذي يبقي طريق التنمية سالكاً.


في الجمعة 09 يونيو-حزيران 2006 10:02:57 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=240