ملك القلوب يغزو باكستان
جهان مصطفى
جهان مصطفى

تكاد تجمع آراء المراقبين أن الطريق لن يكون مفروشا بالورود أمام برويز مشرف فى فترة رئاسته الجديدة بعد أن دخل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن أو "ملك القلوب" كما يطلق عليه بعض الباكستانيين على خط الأزمة بقوة ، حيث كشف أحدث استطلاع أمريكى للرأى العام أن بن لادن أكثر شعبية من مشرف الذى يعتبر أحد أهم حلفاء واشنطن فى آسيا.

ووفقا للاستطلاع الذى أجرته منظمة "مستقبل دون إرهاب" ، وهى منظمة مستقلة تتخذ من واشنطن مقراً لها ، فإن زعيم تنظيم القاعدة حظى برضا 46 في المائة من العينة المستطلعة التي شملت 1044 باكستانياً فيما لم ينل مشرف سوى 38 في المائة من الأصوات بينما كان نصيب الرئيس الأمريكي جورج بوش تسعة فى المائة فقط.

وأكد ثلاثة من بين كل أربعة أشخاص تم استطلاع رأيهم معارضتهم الشديدة لأي ضربة عسكرية توجهها الولايات المتحدة إلى القاعدة أو حركة طالبان داخل الأراضي الباكستانية.

وحول نتائج الاستطلاع الذى أجرى في 22 سبتمبر الماضى ، قال كين بالين رئيس منظمة "مستقبل دون إرهاب" إن الولايات المتحدة خسرت معركة الفوز بقلب وعقل الشعب الباكستاني لصالح بن لادن الذى يتربع الآن على عرش قلوب الباكستانيين بلا منافس لدرجة أصبح معها يلقب ب " ملك القلوب ".

ووصف بالين نتائج الاستطلاع بأنها "مزعجة كثيراً" ، وحذر من المخاطر المحتملة لهذه الاتجاهات خاصة وأن باكستان هي الدولة المسلمة الوحيدة التي تملك سلاحاً نووياً ، قائلا :" لقد أجرينا 23 مسحاً مماثلاً في مختلف الدول الإسلامية، لكن هذه النتائج لم تسجل سوى في الدولة الوحيدة التي تمتلك سلاحاً نووياً، والخطير فى الأمر أن الجهات التي ترغب باستخدام هذه الأسلحة ضد الولايات المتحدة، مثل طالبان والقاعدة، أكثر شعبية من حلفاء واشنطن، مثل مشرف".

وهناك أمور أخرى بجانب ماسبق تضاعف من مأزق مشرف أمام بن لادن أبرزها مقاطعة أغلبية نواب المعارضة لجلسة انتخابه لولاية ثانية ما يضع شكوكا كثيرة حول شرعيته .

 

كما أن عوامل الثورة التي اجتمعت في الثورة الفرنسية أو الثورة الروسية أو الثورة الصينية أو الثورة الإيرانية تبدو بحسب المراقبين متوافرة اليوم في باكستان .

فالفقر والقهر السياسي والهوة المتسعة بين القيادة والشعب، هى أمور يمكن أن تتسبب فى قيام ثورة عارمة فى هذا البلد الإسلامى ، وأدلة إدانة مشرف كثيرة فى هذا الصدد ، فمنذ عام 2001 وهو يستخدم العنف مع الجماعات الإسلامية وخاصة فى منطقة القبائل لإرضاء واشنطن ما تسبب في اشتباكات متوصلة في إقليم وزيرستان يذهب ضحيتها الأبرياء وعناصر الجيش على حد سواء .

وفى 2007 ، أقدم مشرف على عدة إجراءات استفزازية جديدة للمعارضة كان أبرزها قرار عزل رئيس المحكمة العليا افتخار تشودرى واستخدام القوة المفرطة ضد الطلبة المعتصمين فى المسجد الأحمر ، ماأسهم أكثر وأكثر فى فقد ثقة المواطن الباكستانى فى حكم مشرف الذى تحول إلى الديكتاتورية.

وجاءت محاولات رئيسى وزراء باكستان السابقين نواز شريف وبنظير بوتو للعودة إلى البلاد للمشاركة في الانتخابات التشريعية اواخر 2007 لتشكل مزيداً من الضغط على نظام مشرف لأن عودتهما من شأنها أن تنهى سيطرة الجيش على السلطة.

وبالإضافة إلى ماسبق ، فإن التهديدات التى أطلقها مسئولون أمريكيون في العشرين من يوليو الماضى بشأن التدخل العسكرى في منطقة القبائل الباكستانية هى الأخرى تضيق الخناق أكثر وأكثر على مشرف وتضاعف فى الوقت ذاته من شعبية بن لادن .

وكان المتحدث باسم البيت الأبيض تونى سنو قد أعلن أنه بينما تعترف الولايات المتحدة بالسيادة الباكستانية، فإن إدارة الرئيس بوش طالما احتفظت لنفسها بحق ضرب الأهداف التي تراها ضرورية.

كما أعلنت مستشارة الرئيس الأمريكي لشئون الأمن القومي فرانسيس فراغوس تونسند في حديث تليفزيوني أن الخيار العسكري في المناطق القبلية الباكستانية مطروح على الطاولة لأن الاستخبارات الأمريكية تعتقد أن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن متواجد في تلك المناطق .

وفى ضوء ماسبق ، يتضح أن الرئيس الباكستانى الذى وصل إلى سدة الحكم فى عام 1999 عبر انقلاب عسكري ونجا من عدة محاولات اغتيال وخاض حربا شرسة ضد حلفائه السابقين من "القاعدة" و"طالبان" لإرضاء واشنطن ، لم ينجح في علاج أزماته الداخلية بأسلوب حكيم كما غضب عليه أقرب حلفائه ولذا فإن محاولات بن لادن للإطاحة به قد تكتسب زخما إضافيا فى الأيام المقبلة.

 

والشريط الأخير لزعيم القاعدة يؤكد أنه على دراية تامة بالأوضاع المتأزمة فى باكستان وأنه مصمم على الإطاحة بمشرف ، حيث وصف في شريط له في 20 سبتمبر الماضى الرئيس الباكستانى بأنه "طاغوت" والجيش الباكستاني بأنه "جيش المرتدين"، داعيا الشعب الباكستاني إلى الجهاد ضد نظام مشرف .

وبدأ زعيم القاعدة الشريط بتناول أحداث المسجد الأحمر في مدينة إسلام آباد ووصفها بأنها "غزو"، وشبهها بهجوم الهندوس على مسجد بابري في الهند ، قائلا :" إن للحادث دلالات عديدة مهمة هي: أولاً، أن الحادث يصور إصرار مشرف على مواصلة ولائه وخضوعه ومساعدته لأمريكا ضد المسلمين وهذا التصرف يعتبره علماء المسلمين سبباً للثورة عليه وإطاحته.

واستطرد يقول :" أما الدلالة الثانية ، فإن قيام الحكومة الباكستانية بإظهار إمام المسجد الأحمر الشيخ عبد العزيز غازى مرتدياً ملابس امرأة أمام وسائل الإعلام يشكل دليلاً واضحاً على مدى الاعتداء والكراهية التي يمارسها مشرف وحكومته ضد الإسلام والعلماء . هذا الأمر فيه كفر أكبر يوجب إسقاط الإسلام عنه".

والخطورة فى هذا الشريط على نظام مشرف بحسب المراقبين هى استخدام بن لادن للشريعة فى تبرير خلعه عن الحكم وهو أمر قد يحظى باهتمام شريحة واسعة من الباكستانيين بالنظر إلى التدين الواسع هناك.

ويمكن القول ، إن الأمر الذى لاجدال فيه هو أن الفجوة اتسعت بالفعل بين نظام مشرف والشعب الباكستانى وما الهجمات المتصاعدة التى تستهدف قوات الأمن والجيش في منطقة القبائل سوى جرس إنذار بأن الأسوأ لم يقع بعد.

رئيس بالإكراه

بموجب الدستور الباكستاني ينتخب مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية وأربعة مجالس إقليمية الرئيس ، ورغم الاحتجاجات المتصاعدة والأجواء المشحونة التي تعيشها البلاد أصر مشرف على تقديم أوراق ترشحه لخوض الانتخابات الرئاسية ، بينما قدمت المعارضة طعونا ضد ترشيحه أمام المحكمة العليا لمخالفته للدستور بسبب جمعه بين الرئاسة وقيادة الجيش وطالبت بتأجيل الانتخابات .

وأعلنت اللجنة الانتخابية الباكستانية في 28 سبتمبر الماضى أنها وافقت على ترشيح مشرف ومرشحين آخرين هما وجيه الدين أحمد وهو قاض متقاعد رفض أداء قسم الولاء لمشرف بعد الانقلاب عام 1999، ومخدوم أمين فهيم نائب رئيس حزب الشعب الباكستاني بزعامة رئيسة الوزراء السابقة بنظير بوتو ، بينما رفضت 37 طلب ترشيح آخر.

وأعلن التليفزيون الباكستاني فوز برويز مشرف بفترة رئاسية جديدة فى الانتخابات التي جرت فى 6 أكتوبر 2007 رغم مقاطعة أغلبية نواب المعارضة جلسة انتخابه لولاية جديدة من خمس سنوات.

وجاء فوز مشرف بتأييد 225 صوتا من أصل 256 نائبا في البرلمان والمجالس الإقليمية .

ورافق عملية الاقتراع انتشار واسع ومكثف لقوات الشرطة في شوارع المدن الباكستانية، ودعت أحزاب المعارضة ومن بينها حزب الشعب الذي امتنع عن التصويت إلى تنظيم مسيرات احتجاجية وإضرابات ، معتبرة ترشيح مشرف وهو قائد عسكرى للرئاسة أمر مخالف للدستور ، بالإضافة إلى أن انتخابات الرئاسة كانت يجب أن تجرى بعد الانتخابات التشريعية وليس قبلها .

برويز مشرف 

وكان حوالى 87 من نواب المعارضة في البرلمان و152 آخرون في البرلمانات الإقليمية الأربعة قد قدموا في 2 أكتوبر استقالات جماعية في تحرك يهدف إلى عرقلة ترشح مشرف لولاية رئاسية ثانية والتشكيك في قانونية وشرعية الانتخابات ، إلا أن رئيس البرلمان شودري أمير حسين أعلن أن الاستقالات الجماعية لن تؤثر على الانتخابات الرئاسية.

وأوضح أن استقالة النواب ال 87 من أصل 342 نائبا في الجمعية الوطنية لاتؤثر على انتخاب مشرف لأنه يكفيه الفوز بالأغلبية وحزبه يتمتع بالأغلبية في البرلمان .

وينتمي النواب المستقيلون إلى تحالف المعارضة الإسلامية المنضوي تحت ما يسمى بمجلس العمل المتحد الذى يضم ستة أحزاب إسلامية وحزب الرابطة الإسلامية بزعامة رئيس الوزراء السابق نواز شريف ، لكن حزب الشعب الباكستاني المعارض بزعامة رئيسة الوزراء السابقة بنظير بوتو لم يشارك في حملة مقاطعة الانتخابات.

وقال زعيم المعارضة في البرلمان مولانا فضل الرحمن إن الاستقالات تهدف للتشكيك في شرعية انتخاب مشرف، وأضاف "عقب استقالاتنا، فنجاح مشرف ليس له قيمة".

ومن جانبهم ، احتشد المئات من المحامين خارج مبنى لجنة الانتخابات في العاصمة إسلام آباد وفي لاهور للاحتجاج على قبول ترشيح مشرف للرئاسة.

وألقى المحامون الحجارة على الشرطة وهتفوا قائلين "ارحل يا مشرف"، وحاولوا الاقتراب من مبنى اللجنة الانتخابية، غير أن عناصر شرطة مكافحة الشغب سدوا عليهم الطريق ودارت اشتباكات بين الطرفين أدت إلى إصابة العديد من المحامين واعتقال نحو 30 آخرين .

وقام المتظاهرون بجر نائب وزير الإعلام طارق عظيم من سيارته أثناء محاولته مغادرة مبنى اللجنة، ووجهوا إليه عدة ضربات قبل أن تتدخل الشرطة وتنقله بسرعة.

وشوهد اثنان من المحامين وصحفي على الأقل والدماء تسيل من رؤوسهم بعدما أصيب واحد منهم بحجر ألقاه أحد عناصر الشرطة، كما هرعت عدة سيارات إسعاف إلى موقع الاشتباكات.

وبررت الشرطة حملة القمع بالقول إن هناك حظرا على تجمع خمسة أشخاص أو أكثر في منطقة العاصمة، ولن يسمح لأحد بانتهاك هذا القانون.

وفي لاهور أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع على نحو 500 محام تجمعوا للاحتجاج على ضرب زملائهم في إسلام آباد ، وذكر شهود عيان أن السلطات اعتقلت ثمانية من المحتجين.

ويري مراقبون أن مشرف حسم السباق الرئاسى لصالحه قبل إجرائه بعد أن قام بعدة مناورات سياسية للالتفاف على تهديد المعارضة بمقاطعة الانتخابات ، منها إبرامه اتفاق مع رئيسة الوزراء السابقة بنظير بوتو فى الخامس من أكتوبر من شأنه أن يمهد لتقاسم السلطة بينهما .

ويمنح الاتفاق عفوا عاما عن السياسيين الذي عملوا في باكستان في الفترة بين عامي 1988 و1999، مما يخلي ساحة بوتو من تهم الفساد التي أرغمتها على العيش في المنفى والسماح لها بتولي رئاسة الوزراء في حالة فوز حزب الشعب الذي تتزعمه في الانتخابات النيابية المقبلة ، مقابل إحجام نواب بوتو عن التصويت ضد مشرف .

وفي محاولة للالتفات على طعون المعارضة أمام المحكمة العليا أيضا ، تعهد مشرف الذى تنتهى فترته الرئاسية الثانية فى 15 نوفمبر 2007 ، بالتخلي عن قيادة الجيش فور انتخابه لولاية جديدة وقرر في الرابع من أكتوبر ترقية رئيس الاستخبارات السابق الجنرال إشفاق كياني نائباً لقائد الجيش تمهيداً لتوليه منصب قائد الجيش بعد تنصيب مشرف رئيسا لولاية ثالثة.

وفي ضوء تلك المناورات ، قررت المحكمة العليا إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها في 6 اكتوبر 2007 ، رافضة بذلك طلبا للمعارضة بتأجيلها كما رفضت طعون المعارضة ضد أحقية مشرف في الترشح وهو في قيادة الجيش ما اعتبر نصرا لمشرف ، لكنها أكدت في الوقت ذاته أنها لن تصدر حكمها النهائي بشأن الانتخابات إلا بعد أن تنظر في الطعون المقدمة ضد الرئيس برويز مشرف ، مشيرة إلى عقد جلسة في 17 أكتوبر لإصدار قرار نهائى .

صداع المعارضة

وصل مشرف إلى الحكم في باكستان نتيجة انقلاب عسكرى في عام 1999 ضد الحكومة المنتخبة ديمقراطيا في هذا الوقت بقيادة نواز شريف ، وفي عام 2002 شهدت باكستان انتخابات برلمانية وانتخب مشرف رئيسا لفترة من خمس سنوات إلا أنه توسع فى سلطاته حيث احتفظ لنفسه بمنصبي الرئيس وقائد الجيش وحق إقالة الحكومة وحل البرلمان.

وبعد انتقادات حادة لتعاونه مع واشنطن في الحرب ضد ما يسمى بالإرهاب ولاستمراره فى قيادة الجيش بجانب مهام الرئاسة وهو أمر يتعارض مع الدستور، توصل مشرف في ديسمبر 2003 لاتفاق مع المعارضة تعهد بموجبه بالتخلى عن قيادة القوات المسلحة بحلول 31 ديسمبر 2004 مقابل البقاء في منصب الرئاسة.

ووقع الاتفاق تحالف مجلس العمل المتحد، الذي يمثل الأحزاب الإسلامية المتشددة المعارضة، والتي عبّرت عن استيائها من توسّع سلطات مشرف ، بينما رفض أبرز حزبين حاكمين سابقا (معارضين حاليا) وهما حزب الشعب الباكستاني وجماعة باكستان المسلمة ، توقيع الاتفاق .

وبسبب عدم التزام مشرف بوعوده بالتخلى عن منصبه العسكرى ، تصاعدت المظاهرات المنددة بسياسته وكان آخرها في 19 إبريل 2007 ، عندما اعتقلت أجهزة الأمن الباكستانية 250 من قيادات وعناصر المعارضة خلال تظاهرات في معظم المدن الباكستانية ضد مشرف لعزله رئيس المحكمة العليا القاضي افتخار محمد شودري.

وواصل مشرف تحديه للمعارضة عندما أصر على الترشح للرئاسة مجددا وهو قائد للجيش رغم أن الدستور يحظر هذا ، كما أنه رفض دعوات المعارضة لانتخابه من البرلمان الجديد وليس من البرلمان الحالى وعزا المراقبون السبب في ذلك إلى خوفه من عدم تحقيق حزبه "الرابطة الإسلامية" الأغلبية في الانتخابات البرلمانية المقبلة .

يذكر أنه من المقرر أن يتم حل الجمعية الوطنية "مجلس النواب" في نوفمبر المقبل، على أن تعقد انتخابات جديدة في ديسمبر من العام الجاري، أو يناير من العام المقبل.

وأعرب كل من رئيسى الوزراء السابقين نواز شريف وبنظير بوتو مؤخرا عن رغبتهما في العودة إلى باكستان للمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة في خطوة قد تؤدي في حال حدوثها إلى إنهاء سيطرة الجيش على السلطة كما من شأنها أن تشكل مزيداً من الضغط على نظام الرئيس مشرف الذي يواجه العديد من الانتقادات سواء في الداخل الباكستاني أومن الخارج.

وفي 22 سبتمبر 2007 ، أصدرت المحكمة العليا قراراً يسمح بعودة رئيس الوزراء السابق نواز شريف إلى البلاد، بعد ثمان سنوات أمضاها "منفياً" في الخارج، في أعقاب انقلاب عسكري قاده الرئيس برويز مشرف في العام 1999.

وقال رئيس المحكمة العليا افتخار محمد تشودري إن شريف وأفراد أسرته لهم الحق في العودة إلى بلادهم كمواطنين باكستانيين"، مضيفاً أن السلطات يجب ألا تعترض طريق عودتهم.

وسعت الحكومة إلى منع عودة شريف حيث قدمت للمحكمة وثيقة قالت إنها تبين أن شريف تعهد بالبقاء خارج الحياة السياسية في البلاد لمدة عشر سنوات ، وفور وصوله مطار إسلام آباد قامت الحكومة الباكستانية بإبعاده مجددا إلى جدة في السعودية.

وتوجه نواز شريف إلى السعودية عام 2000 في إطار ما تقول الحكومة إنه اتفاق بأن يبقى شريف في المنفى لمدة عشر سنوات مقابل تجنبه قضاء عقوبة السجن مدى الحياة بتهم الخطف والفساد.

واعترف شريف بأن سعد الحريري زعيم تيار المستقبل في لبنان كان قد زاره في سجنه بباكستان عقب إدانته عام 2000 بتهم الفساد والاختطاف، وأمن عملية إطلاق سراحه بموجب اتفاقية تفاهم تقضي بعدم عودته إلى باكستان خلال عقد ، إلا أن الحريري أخبره لاحقاً أن فترة المنفى تقتصر على خمس سنوات فقط .

أما عن بوتو ، فقد أعلن حزب الشعب المعارض في سبتمبر الماضى أن زعيمته رئيسة الوزراء السابقة بنظير بوتو ستعود إلى البلاد في 18 أكتوبر 2007 .

 

يذكر أن بوتو كانت قد تولت رئاسة الوزراء مرتين في بلادها وتركت باكستان في عام 1999 لتجنب انهيار حكومتها إثر اتهامات لها بالفساد .

وتعيش بوتو في منفى اختياري متنقلة بين لندن ودبي منذ عام 1998، وكانت تقارير صحفية قد أفادت مؤخرا بأن الرئيس مشرف التقى بوتو في أبوظبي أواخر يوليو الماضي خلال زيارته القصيرة لدولة الإمارات العربية المتحدة.

وأشارت التقارير إلى أن اللقاء جاء عقده في إطار سعي الرئيس مشرف لحشد تأييد بوتو له، في مسعاه لإعادة اختياره رئيساً للبلاد لفترة جديدة.

وبحسب التقارير فقد طلبت بوتو من الرئيس الباكستاني، إسقاط جميع الاتهامات ضدها وكذلك التخلي عن قيادة الجيش قبل الترشح للرئاسة ، إلا أن مشرف رفض المطلب الثاني.

ويري مراقبون أن عودة بوتو التى يعرف عنها التشدد مع الإسلاميين هو أمر مفروغ منه بالنظر إلى أنها البديل الذى تبحث عنه واشنطن حاليا لمنع الإسلاميين من الوصول للسلطة والسيطرة على السلاح النووى.

حلفاء الأمس أعداء اليوم

لم يقبل الغرب وصول الجنرال برويز مشرف إلى سدة الحكم في انقلاب عسكري عام 1999 ضد نظام مدني كان يديره رئيس الوزراء السابق نواز شريف ، إلا أنه بعد أن وقعت هجمات 11 سبتمبر 2001 ، تغيرت الأمور تماما ، فقد وجد مشرف في التحالف مع واشنطن في الحرب التى بدأتها ضد ماتسميه بالإرهاب فرصة للاستقواء على الداخل بعد تصاعد المعارضة لجمعه بين الرئاسة ومنصب رئاسة الجيش .

ومن جانبها ، لم تفوت واشنطن هى الأخرى الفرصة للاعتماد على حليف لابد منه للقضاء على خطر حركة طالبان وتنظيم القاعدة بالنظر إلى الدعم الواسع الذى كانت تقدمه باكستان لطالبان قبل أحداث سبتمبر .

وخطت واشنطن خطوات كبيرة لكسب ود نظام مشرف حيث منحت باكستان نحو عشرة بلايين دولار منذ 2001 ، وأسهمت وساطة واشنطن في تخفيض الدين الباكستاني وأفضى انخفاض الدين الباكستاني الى نمو اقتصادي فاق الـ5 في المائة في الأعوام الأربعة الماضية ، كما أسهمت واشنطن في تخفيف التوتر الدائم بين الهند وباكستان .

وفي المقابل ، أسهمت باكستان في القبض على عدد من قياديي "القاعدة"، ومنهم "أبو زبيدة" ورمزي بن الشيبة، في 2002، وخالد الشيخ محمد، في 2003، ومحمد نعيم نور خان في 2004، و"أبو فرج" الليبي في 2005.

ورغم ما سبق إلا أنه بعد مرور ست سنوات على بدء التحالف الباكستاني - الأمريكي ضد ما تسميه واشنطن ب"الإرهاب"، نشبت الخلافات بين حلفاء الأمس وتوالت اتهامات البيت الأبيض حول أن مصدر "الإرهاب" في أفغانستان يأتي عبر القبائل الباكستانية المتاخمة للحدود الأفغانية.

ويرى مراقبون أن تهديدات واشنطن الأخيرة بضرب مناطق القبائل توضح أن إدارة بوش تهدف لتعميق الفجوة بين مشرف وشعبه تمهيدا للإطاحة به بعد أن تدنت شعبيته إلى درجة تفوق تدني شعبية بوش في بلاده .

أما بالنسبة للقاعدة وحركة طالبان ، فقد كان هناك تحالف قوى بين طالبان ومشرف قبل غزو أفغانستان في 2001 ، إلا

أنه بعد انضمام مشرف لحملة واشنطن ضد مايسمى بالإرهاب ، انقلب هذا التحالف إلى عداء متصاعد لدرجة دفعت أنصار طالبان في منطقة القبائل الباكستانية إلى خطف عشرات الجنود الباكستانيين للمقايضة عليهم لوقف الحملة التى تشنها الحكومة الباكستانية ضد عناصر القاعدة وطالبان في المنطقة .

كما حاول تنظيم القاعدة أكثر من مرة اغتيال مشرف ، ففى 25 ديسمبر 2003 نجا مشرف من محاولة اغتيال إثر تعرض موكبه خلال توجهه من العاصمة إسلام آباد إلى مقر إقامته في روالبندي إلى عملية إنتحارية نجم عنها مقتل 15 شخصا وجرح 46 آخرين.

 

وجاءت محاولة الاغتيال تلك بعد أحد عشر يوما من محاولة اغتيال مماثلة استهدفت موكب مشرف وفي منطقة روالبندي أيضا في الرابع عشر من ديسمبر .

وفي 6 يوليو 2007 ، نجا مشرف أيضا من محاولة اغتيال بعد فشل استهداف مروحيته بقذائف مضادة للطائرات وهى تقلع من قاعدة تشاكلالا العسكرية في مدينة روالبندي .

ضربة سياسية قاصمة

ضمن محاولاته للبقاء في السلطة بأى ثمن ، قرر مشرف في 9 مارس 2007 عزل رئيس المحكمة العليا افتخار محمد تشودري بزعم سوء استغلال منصبه ، الأمر الذى قوبل بتظاهرات في كل أنحاء البلاد حيث اتهمت المعارضة مشرف بإبعاد تشودري لأن الأخير يرفض تعديل الدستور لتسهيل إعادة انتخابه رئيسا لولاية ثالثة .

ووجهت المحكمة العليا في 20 يوليو 2007 ضربة قوية إلى مشرف بقرارها إعادة القاضي تشودري إلى عمله على رأس المحكمة.

بوش ومشرف 

وأيد عشرة قضاة في المحكمة إسقاط التهم عن تشودري مقابل رفض ثلاثة بعد نقاشات استمرت 43 يوما.

يذكر أنه قبل عزله ، ألمح تشودرى مرارا إلى أن الدستور لايتيح لرئيس الدولة المنتهية ولايته الترشح قبل الانتخابات التشريعية كما أن القانون الأساسي يفرض عليه التخلي عن قيادة الجيش .

أزمة المسجد الأحمر

المسجد الأحمر بإسلام آباد اشتهر بهذا الاسم نسبة إلي الطلاء الأحمر الذي يغطي جدرانه الخارجية, وتولي الشيخ عبد العزيز غازي الإمامة فيه بعد مقتل الشيخ محمد عبد الله على يد بعض الشيعة في 1988م.

ويتبع المسجد الأحمر مدرستان دينيتان: إحداهما للبنات وهي مدرسة حفصة والأخرى المدرسة الفريدية للبنين.

وعلاقة المسجد الأحمر وإمامه الشيخ عبد العزيز ونائبه الشيخ عبد الرشيد غازي بالسلطات الباكستانية بحسب المراقبين لم تكن يوماً على ما يرام, فالتوتر بين الطرفين كان السمة البارزة بالنظر إلى الحملة التى يشنها طلاب المسجد منذ تحالف مشرف مع واشنطن للتخلص من العلمانية وتطبيق الشريعة الإسلامية .

 

ومن جانبها ، أعلنت السلطات الباكستانية منذ أحداث سبتمبر عزمها على متابعة المدارس الدينية الموجودة في باكستان والتي يبلغ عددها حوالي 12 ألف مدرسة, وملاحقة المعلمين والطلاب بها والسيطرة على مصادر تمويلها, بزعم أنها تؤوى متشددين .

وفي بداية 2007 ، أصدرت بلدية إسلام آباد قرارا بهدم سبعة مساجد في العاصمة بدعوي أنها مبنية على أرض مملوكة للدولة, وكان من بينها المسجد الأحمر وملحقاته, وهو ما أشعل غضب القائمين على المسجد الأحمر وطلاب وطالبات المدارس التابعة له وخرجت مظاهرات حاشدة منددة بقرار الهدم .

وفي مطلع فبراير 2007 ، قامت طالبات مدرسة حفصة باحتلال مكتبة للأطفال بالقرب من مدرستهن وأعلنت المعتصمات بها أنهن لن يغادرنها إلا بعد تعهد الحكومة كتابياً بعدم هدم المسجد الأحمر وملحقاته, مع ضرورة قيام الحكومة بتقديم الدعم المالي لهذه المدارس خاصة بعد نضوب مصادر التمويل الآتية من دول الخليج بفعل الإستراتيجية الأمريكية لمواجهة الإرهاب ومحاصرة مصادر تمويله وتزايدت الاعتراضات من الطلاب والطالبات على إثر إغلاق الحكومة لموقع المسجد الأحمر في شبكة الانترنت في 10 إبريل وقيامها بعد ذلك بإغلاق المحطة الإذاعية التابعة للمسجد .

ومنذ مطلع يوليو 2007 ، حاصرت القوات الباكستانية المسجد الأحمر بعد وقت قليل من اختطاف الطلبة الإسلاميين سبعة عمال صينيين اتهموا بإدارة بيوت دعارة وأفرج عنهم بعد 17 ساعة إلا أن المتواجدين داخل المسجد رفضوا تسليم أنفسهم للسلطات .

ومع استمرار حصار عدة الآف من الطلاب والطالبات من قبل القوات الباكستانية وزيادة الاهتمام الإعلامي أعلن الشيخ عبد العزيز غازي أن حركة الطلاب والطالبات تدعو إلي تطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان, وتدعو إلي الثورة على النظام العلماني بالبلاد .

ومع فشل الوساطات التي قام بها بعض العلماء الباكستانيين ، اقتحمت القوات الباكستانية المسجد في 10 يوليو ما أدى وفقا لتقديرات رسمية إلى مقتل حوالى 75 شخصا بينهم أطفال ونساء والشيخ عبد الرشيد غازي نائب الإمام وشقيقه والذي حل محله بعد القبض على الشيخ عبد العزيز غازي أثناء مغادرته المسجد متخفياً في زى امرأة منتقبة وذلك بحسب رواية السلطات الباكستانية، بينما بلغت حصيلة الضحايا حوالى ألفى قتيل وفقا لتقديرات المعارضة .

وتباينت آراء المحللين حول أحداث المسجد الأحمر ، فهناك من فسر قرار الاقتحام بأنه جاء متمشياً مع سياسة التحالف مع أمريكا لمحاربة "الإرهاب" والتي اختارها مشرف منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، وذلك لتجنب غضب واشنطن التى هددت مؤخرا بالانحياز للهند واعتبار النظام الحاكم في باكستان عدواً لأمريكا إذا لم يتصد لتنظيم القاعدة ولفوضى المدارس الدينية التي صارت محطات لتفريخ الإرهابيين على حد التعبير الأمريكي.

وهناك تفسير ثان يرى أن قرار الاقتحام جاء في إطار المخاوف من استجابة الباكستانيين لنداء الثورة على النظام العلماني الذي أطلقه الشيخ عبد الرشيد غازي .

وهناك تفسير ثالث يرى أن مجموعة من الحسابات الخاطئة قادت المحاصرين إلي هذه النهاية الدموية فهم أساءوا تقدير رد فعل السلطات على ندائهم بالثورة وتحديهم لسلطات الدولة ورفضهم الاستسلام .

عن / محيط


في الأحد 07 أكتوبر-تشرين الأول 2007 10:42:07 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=2669