تأملات في تداول السلطة!
دكتور/أحمد ياسين أحمد
دكتور/أحمد ياسين أحمد

دخل الرئيس اليمني علي عبدالله صالح تاريخ اليمن والوطن العربي من أكثر من باب، دخله أولاً من باب تحقيق الاستقرار في اليمن بآليات سياسية مع أن الإنجازات التي أفضت لترشيحه لرئاسة الجمهورية في 1978 كانت عسكرية بالأساس، ودخله ثانياً من باب إعادة الوحدة اليمنية في زمن غيب الإنجازات الوحدوية العربية، ودخله ثالثاً من باب ربط الوحدة بالتعددية السياسية مع أن التجربة الوحيدة المماثلة للتجربة اليمنية والسابقة عليها، وهي تجربة الوحدة المصرية- السورية (1958-1961)، قد ارتبطت على العكس بإلغاء الأحزاب في سوريا أسوة بواقع الحال آنذاك في مصر، ودخله رابعاً من باب النجاح في إدارة أزمة الانفصال وحربه في 1994 حين تمكن بأداء عسكري وسياسي لافت من المحافظة على الوحدة اليمنية. لكن نخبته السياسية أبت عليه أن يدخل التاريخ من باب خامس وأخير، هو باب النجاح في إرساء قيمة التداول الديمقراطي للسلطة في بلد عربي مهم كاليمن.

منذ أحد عشر شهراً أعلن الرئيس اليمني عدم رغبته في الترشح للرئاسة لمدة جديدة، وقدم في حينه مبررات مقنعة وشواهد تدل على ألا رجعة في قراره، وثابر على التمسك بهذه المبررات وواصل تقديمه لما يثبت تمسكه بقراره حتى يوم السبت الماضي. تحدث بما يفيد أنه منح فرصة كافية للجميع للاستعداد لتنفيذ قراره حين أعلن عزمه على عدم الترشح منذ ما يقرب من العام، واستنكر عجز الجميع عن تقديم مرشح لملء الفراغ الذي سينجم عن غيابه عن الساحة السياسية، ورد على الحجج التي رددتها عناصر النخبة الحاكمة -والتي تدور حول الأخطار التي يواجهها اليمن ومن ثم حاجته إلى بقاء قائد بوزن علي عبدالله صالح- بقوله إن اليمن "تجاوز الأخطار ولا خوف ولا قلق على وطننا. المسيرة متواصلة، والذي يخاف أو يقلق عليه أن يراجع نفسه".

في المحصلة النهائية رضخ الرئيس لإرادة نخبته وأعلن عدوله عن قراره، وأعترفُ أنني كنت من الذين تصوروا بأنه لن يفعل ربما لأنه اختار أن يعلن قراره عدم الترشح مبكراً حتى لا يتهمه أحد لاحقاً بأنه يدفع بسفينة الوطن إلى شاطئ مجهول، وربما لأنه أعلن قراراً ولم يلمح -كما فعل آخرون في سوابق مماثلة- إلى أنه "يفكر" في عدم الترشح، وبالتالي سهل على عناصر النخبة في الحالات الأخرى أن تجهض الفكرة، وربما لأن الحجج التي برر بها نيته كانت بالغة الوضوح والقوة والدلالة على منطق صحيح ومتكامل، وربما لأنه واصل القتال بشراسة وحزم دفاعاً عن رغبته في عدم الترشح إلى اللحظة الأخيرة، لكن النخبة الحاكمة كان لها رأي وفعل مختلفان وحققت النصر في النهاية.

تثير هذه التطورات عديداً من التأملات لعل أولها يتعلق بالدوافع: هل يكون القائد عازماً بحق من البداية، على تنفيذ قراره بمغادرة المسرح السياسي لكن الضغوط بعد ذلك تمنعه؟ أم أنه يفعل ما يفعله لأنه يستشعر حاجته إلى تأكيد شرعيته بما يمكنه من مواصلة الحكم بالفعالية نفسها إن لم يكن بفعالية أكبر وخاصة أن التحديات تتعاظم؟ هل كان جمال عبدالناصر مثلاً حين أعلن قراره بالتنحي في 9 يونيو 1967 عازماً مئة في المئة على تنفيذ قراره ثم وجد لاحقاً أن تنفيذه مستحيل وأن تركه للمنصب في هذه الظروف يعد من قبيل الخيانة للوطن والأمة؟ أم أنه شعر حينذاك أنه لا يستطيع إزاء انتكاسة بوزن هزيمة 1967 أن يستمر في الحكم دون شرعية جديدة وخاصة أن تحديات هائلة كانت تنتظره لو استمر في الحكم؟ فإذا أتت هذه الشرعية استطاع أن يواصل طريقه بقوة وفاعلية وإن لم تأتِ بقي له فضل أنه تنحى في الوقت المناسب.

ومن الممكن أن نطرح في السياق نفسه تساؤلات عن النخب الحاكمة التي تواجه مواقف كهذه: هل تؤمن عناصر النخبة حقاً بما تقول؟ وهل يمكن أن يبقى الوطن في خطر بعد 27 سنة من حكم ناجح؟ ومتى ينجو الوطن إذن من براثن الخطر؟ ولماذا تتبوأ هذه الشعوب المسكينة التي تضطر لتغيير حكامها كل أربع أو ثماني سنوات مواقع الصدارة في عالمنا المعاصر؟ لابد أن للنخبة حساباتها الخاصة. لكن هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات صريحة مبنية على حوارات وليس حسابات، وهي حوارات في صميم مستقبل الديمقراطية ليس في اليمن فحسب وإنما في وطننا العربي بأسره.

تمتد التأملات بعد ذلك إلى حالنا العربي: لماذا ننفرد نحن بالذات بهذه الظاهرة؟ لقد تجاوزها أشقاؤنا الأفارقة وأصبح لديهم عدد يعتد به من حالات التداول السلمي للسلطة، ناهيك عن الزعيم التاريخي نيلسون مانديلا الذي ترك السلطة وهو في أوج مجده، فلم يحدث لوطنه شيء. كنا نملك حالة يتيمة في لبنان يتم تداول السلطة فيها سلمياً كل أربع سنوات، لكن أنواء السياسات أبت إلا أن تصيبها هي الأخرى بسوء، وليس في تاريخنا المعاصر كله من ترك السلطة باختياره وهو على قمتها سوى الفريق عبدالرحمن سوار الذهب، ولم يحدث لدينا أن دخل رئيس انتخابات وخسرها ناهيك عن نسبة فوزه. وهكذا يبقى الرؤساء طيلة حياتهم رؤساء اللهم إلا إذا خلعهم من موقعهم انقلاب عسكري أو احتلال أجنبي، فضلاً عن أن النظم الجمهورية في الوطن العربي قد شهدت سابقة خلافة الابن لوالده وهي سابقة مرشحة للتكرار وإن بصعوبات متفاوتة من بلد عربي لآخر.

يخطئ من يتصور أن حالنا هذا يعود إلى الزعماء أو النخب الحاكمة وحدها، وإنما هو أمر يضرب بجذوره فيما يبدو في ثقافتنا. وأذكر عندما كنت طالباً في المرحلة الابتدائية وفي أوج مجد جمال عبدالناصر بعد انتصاره السياسي الساحق في أزمة السويس، أننا كنا نغني نشيداً لمدير المنطقة التعليمية ألفه مدرس اللغة العربية بالمدرسة ووضع ألحانه مدرس الموسيقى بها، كما أنني لا أنسى مشهد المرشح لرئاسة حزب معارض وهو محمول على كرسي لعجزه عن الحركة فيما كان رئيس الحزب نفسه يقترب من التسعين سنة عمراً أو لعله تجاوزها، ويسهل تبين الطبيعة العائلية لعديد من الأحزاب السياسية التي تنعي على الرؤساء أنهم بسبيل تحويل الحكم الجمهوري إلى حكم وراثي، ونعلم أن مبدأ التوريث ليس قاصراً على منصب رئيس الجمهورية بل لعله مستمد من عديد من المهن سبقته إلى ذلك. المشكلة إذن أن ثمة شيئاً ما متأصلاً في ثقافتنا مسؤول بدرجة أو بأخرى عما آلت إليه أوضاعنا السياسية، وتغيير الثقافة ليس بالأمر اليسير أو قصير المدى.

ومع ذلك فإن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، وعلى المثقفين أن يدركوا أن نضالهم في هذا المجال لا يقل أهمية للمستقبل بحال عن نضالهم المباشر من أجل هذا المكسب الديمقراطي أو ذاك. وإلى أن يحدث التغيير الثقافي المنشود، وطالما أنه يستحيل في بلادنا على الفرد أن يغادر موقعه الرئاسي حتى وإن أراد، وأنه من الحقيقي أن أفراداً بعينهم يمكن أن يمتد عطاؤهم على الرغم من طول بقائهم في مناصبهم، فلنركز الجهد على وضع الضوابط الدستورية والقانونية الكافية وتفعيلها كي نحاول أن نجمع بين "الحسنيين": أفراد "لا يمكن الاستغناء عنهم" وضوابط تعطينا الأمل في مستقبل أفضل.


في الثلاثاء 27 يونيو-حزيران 2006 08:29:15 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=284