عام وانت وطني .. ايها العراق الحبيب
علي كاش

مأرب برس - خاص

لملمت السنة حوائجها وطوت بين دفتيها أحداثا عجيبا وغريبة دون أن تلقي نظرة إلى مخلفاتها وما تركته من فوضى عارمة, بل ودون أن تتفوه بكلمة أسف أو حتى وداع, تاركة الباب مفتوحاً ورائها بمصراعيه لولوج الأخت التوأم, لم يتغير شيئا فالسنوات الأربع العجاف توائم متشابهات في كل شيء الشكل والفعل والسلوك العبثي والتمرد والعصيان والزيف والفشل والادعاء الباطل, وجميعهن حبيسات سجون الاحتلال, وكذلك الأيام بالساعة والدقيقة واللحظة فهي متشابهة كأنها حبات مسبحة متناسقة في الشكل والوزن واللون صاغتها أيادي فنان ماهر.

جاءت السنة كعجوز شمطاء مهرجلة متثاقلة كناقة محملة بالأثقال تئن من طول المسافة, عجوز في أرذل العمر استأذنت الموت سويعات قبل أن يصطحبها في رحلته القريبة إلى السماء, تردد مع نفسها بصوت خافت بالكاد يسمع من شفاه مشطبة كأرض جدباء فارقها المطر منذ عقود خلت:-

يا منزلا لعب الزمان بأهله ***** فأبادهم بتفرق لا يجمع

ذهب الذين يعاش في أكنافهم ****** بقى الذين حياتهم لا تنفع

ترفع رأسها إلى السماء الداكنة باحثة عن القمر المختبئ خلف الغيوم القاتمة وتصرخ بجنون لقد ذبحوا القمر وقدموه قرباناً لأصنام قريش اللات وعزى وهبل, ملامحها غارقة في حزن عميق أطبق عليها اليأس بقبضتيه, متشحة بمعطف متهرئ , تتعثر بخطواتها التائهة في العدم, مترنحة من التعب كعابر سبيل ظل طريقه, حذرة متوجسة كأنها تجتاز حقل من الألغام؟ وجهها عبوسا قمطريرا اغتيلت البسمة على شفاهه. لم تحمل الزهور كما جرت العادة وإنما عصا غليظة لتبعد عن طريقها الذئاب المسعورة والكلاب الضالة, مثخنة بالجراح كأنها قطعت الصحراء حافية زاحفة, قروح وأشواك تغطي جسدها المجعد كورقة مهملة طوتها الأصابع لترميها في سلة القمامة, باهتة بلون الغبار مدعية جسارة وهمية, شعرها الأشيب تتلاعب به الريح بمزاح ثقيل أسنانها كمشط مهشم فقد غرضه, عيونها جاحظة في كهفها الزجاجي جامدة كطريدة وقعت في فخ صائد ماهر.

جاءت السنة خريفا اصفرا شاحباً وليس ربيعا وردياً مفعما بنسيم الصبا وريعان الشباب, عتيقا مثل كتاب سحر قديم ضم بين أوراقه الصفراء المرهقة آلاف الطلاسم والأوفاق تقف أمامها حائرا مكتوف الأيدي فكل لغز تفكه يقودك لآخر أشد تعقيداً وضيقا, تتركه لتستريح قليلا على أمل معاودة حله لاحقاً ولكن بلا جدوى أنها ميتافيزيقيا سرً الخلود التي أرهقت جدنا كلكامش فنفض يديه منها وسلم نفسه قربانا طوعيا للموت, لقد عصيت المأساة على الفهم وتجاوزت حدود العقل ومداركه, جنجلوتيات كبرى وصغرى وأحاجي وشفرات أذهلت حنكة العلماء والفلاسفة والسحرة والفلكيين وقراء الطوالع والفناجين والكفوف وفاتحي الفأل فوقفوا حائرين معترفين بعجزهم أمام حشد من الناس باعثهم الحيرة والفضول تجمعوا دون سابق ميعاد منتظرين الحل بعد أن أعياهم الترقب والصبر تجاه هذه الدوامة المفتعلة وتأرجحت مواقفهم باختلاف تصوراتهم وثقافاتهم وتحليلاتهم.

أيام عجاف مضت سريعة كوميض برق خاطف مخلفا ورائه أصداء فرقعة وضجيج ومبددا من عليائه أشداق الغفوة, مغتالاً ينثر بذور الرعب أينما حل فيحي الكوابيس ويوقظ الأرواح الراقدة في أقبية السبات السرمدية. مضت أيام مترهلة بأحداث مذهلة حلت كضيف ثقيل جاء من العدم وفرض نفسه على الجميع غير مكترثاً باللامبالاة والازدراء الذي أستقبل به, يواجهك بصمت أخرق ورتابة حمقاء فارضاً عليك طقوساً حزينة تشعرك بأنك تمشي في موكب عزاء, مشاعره يابسة وحواسه مريضة وعقله ملوث يموج بأفكار مشوشة مضطربة لا حواجز بينها, تضيع من أقدامه الطرقات فتتأرجح الخطوات ما بين الصح والخطأ تارة والعدل والظلم تارة والحياة والموت تارة أخرى .

كنت وعدد كثير من أمثالي قد تقاذفتنا رياح الفكر في موجات متباينة بين الانكسار والتخبط والشك والتريث, حاولنا العوم بكل ما أوتينا من قوة ونشاط لنصل إلى مرفأ الحقيقة لكن مدً اليقين يفاجئنا كل مرة ليحبط آمالنا ويسحقها كما تسحق المطحنة الحبوب برحيها. بادئ ذي بدء رفضنا طبائع الاستبداد والطغيان بكل إشكالها وأنواعها وألوانها الباهتة والصارخة, واتخذنا موقفا ثابتا بأن الدكتاتورية لا تتناسب والعالم المتحضر, وأن المفاهيم الجديدة التي فاضت على بنياننا التقليدي المتين على حين غفلة كالحرية والديمقراطية والعولمة والخصخصة والانتخابات وحقوق الإنسان لابد أن تأخذ مجراها الصحيح عاجلاً أو آجلاً ؟ شئنا أم أبينا وتصب في نهر الحياة المعاصرة, وأن الزمن والممارسة كفيل بتنقيتها من الشوائب التي حملتها معها في جريانها الطويل.

انتشينا بلذة المفاهيم والمصطلحات الجديدة في قاموس العولمة المعاصر وتجاهلنا جليسنا الدائم ابن منظور وركنا موسوعته "لسان العرب" على الرفوف لتدفن بالغبار! وسبقنا التجربة وحكمنا على النتائج رغم أن أبواب المختبر لم تفتح بعد! البعض منا كان اشطر من "الشاطر حسن" فسبقنا منطقاً وتحليلا, وأستقرأ الأحداث القادمة مثل قارئة الفنجان تستكشف من رواسب القهوة القابعة في قعر الفنجان مفاتيح الغيب لترسم لك خطوط المستقبل, كانوا متيقنين بأن الأحداث لا تسير بقوالب جامدة وأن هذه المفاهيم وتطبيقاتها ليست سلع تصدر من بلد لآخر, وان ما يصح في مكان وزمان قد لا يصح في مكان وزمان آخر, وأن الجغرافية والتأريخ والاقتصاد والاجتماع والثقافات والأخلاق والعادات والتقاليد تتفاعل في بوتقة واحدة تجاه الأفكار الجديدة فتحد من اندفاعها وزخمها وتحاول تطويعها مع مقاييسها الذاتية, ومع اعترافنا بتداخل الحضارات والأفكار, لكن هناك حقيقة ثابتة ثبوت الهرم الثالث وهي التسليم بأن الأفكار قد تكون قابلة لتجاوز الخرائط وحدود الدول والشعوب لكن التجارب تحتاج إلى جوازات سفر نافذة المفعول, وأن دخلت بطريقة غير شرعية فأنها ستتحول إلى مغامرة وخيمة العواقب, وكان ذلك منطقا استقرائياً سليماً وحجة نافذة أقوى من أن تفند أو تدحض, فالتطبيقات الشيوعية في منظومة الدول الاشتراكية السابقة كانت تختلف بين دولة وأخرى وحتى انهيار هذه المنظومة وتداعياتها اختلفت في درجاته وقوته بين تلك الأمم, ويصح الأمر نفسه على الدول الليبرالية في تطبيقاتها الرأسمالية وتوجهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولم يقتصر هذا الوعي بعيد النظر على المثقفين فحسب, بل شمل حتى الشريحة البسيطة من المواطنين العراقيين! ومثال على ذلك أن رجلا طاعنا في السن يجهل القراءة والكتابة طلب خارطة العالم من ابنه وأفترشها على الأرض, وسأل ولده:- أين يقع العراق؟ فأشار أبنه إلى مكانه على الخريطة فوضع الأب حصاة صغيرة على موقع العراق! وسأله أين تقع أمريكا فأشار أبنه لموقعها فوضع حصاة أخرى عليها؟ استلقى بصدره على الخارطة الكبيرة باسطا يديه واحدة على العراق وأخرى على الولايات المتحدة الأمريكية وصرخ" الله واكبر نحن أين وهم أين, أية مصيبة حذفتهم علينا, قاطعين كل هذه المسافة الطويلة ليعقدوا قران العراق على الديمقراطية! إنها ديمقراطية عابرة للقارات مثل صواريخهم الباليستية"؟ وتساءل الابن عن السبب وراء الغزو؟ فأجاب الأب " النفط وحماية إسرائيل يا ولدي فقط يستحقان قطع مثل هذه المسافة الطويلة.

 

 

الموقف الآخر الذي اتخذناه بعد الحيرة والشكوك كان التريث فقد أختلط الحابل بالنابل والأخضر باليابس فقوات بهذا الحجم الهائل لدولة عظمى رائدة في الديمقراطية تدعمها قوات متعددة الجنسية من أرقى دول العالم كبريطانيا وكندا واستراليا وايطاليا واليابان وبولندا وغيرها لتغطي خارطة العراق من أقصاه إلى أدناه, وغض نظر وتسهيلات لوجستية من دول الجوار العربية وألاجنبية, وإسقاط حكومة قوية ومؤسسات أمنية شرسة, وتهافت أحزاب سياسية بالمئات زحفت كالجراد من خارج الحدود, وبزوغ أكثر من ثلاثمائة صحيفة تكتب ما تشاء بلا رقيب أو ضمير أو حسيب, واستحداث فضائيات لا حصر لها مارست نشاطاتها الإعلامية بعد ساعات قلائل من الاحتلال تروج للعراق الديمقراطي الفدرالي الموحد! وشخصيات ملكية وجمهورية واوتوقراطية وقومية وليبرالية وتكنوقراطية, ورجال دين وعلماء وأدباء وصحفيين وشعراء لهم وزنهم عندما كانوا في المعارضة ووزراء وسفراء سابقين, سيل هائل من الكفاءات والخبرات والشهادات كفيلة بدعم العراق الجديد وتثبيت أقدام الديمقراطية فيه, وهتافات وأنغام ديمقراطية وفدرالية تطرب أسماع الناظرين وتعزف على أهوائهم فتسحرهم, ودعوات مقدسة من مراجع دينية عظمى وصغرى بمختلف الأحجام والقياسات للتعاون معهم.

كل هذه الدلائل تشير إلى أن الحمل غير كاذب والمخاض قريب والاستعدادات جارية على قدم وساق لاستقبال البشرى الكبرى فعلام التوجس والحذر إذن؟ لنتحلى بقليل من صبر نبينا أيوب, فالهدوء لا يأتي إلا بعد العاصفة والماء يصفو بعد تعكيره! فالمسألة مسألة وقت فقط؟ والأمن والاستقرار والديمقراطية والرفاهية الاقتصادية كلها مثل عربات القطار ستتوالى الواحدة بعد الأخرى, لنتمهل قليلا ونترقب جميعاً فالخير آت لا محالة؟

طال الانتظار وتعبت الأبصار وتداخل الليل في النهار ولكن لا جديد من الإخبار وبعد يأس واحتيار سمعنا أخيرا وبور القطار وهو يلهث متثاقلا بخطواته! وكانت المفاجأة التي أذهلت الجمع المتكدس في المحطة, فقد كان رأس ماكينة بخارية فقط ترجع إلى ما قبل الثورة الصناعية بدون عربات! وأخذنا نتلفت يميناً ويساراً عبثاً ندعك أعيننا بأيدينا المرتعشة غير مصدقين ما نرى, وتسمرت أرجلنا في مكانها منتظرة شيئا ما من العدم ليسكن روعنا ولكن الصمت الرهيب كان سيد الأجوبة على تساؤلاتنا اللحوحة.

بدأت حياتنا الديمقراطية الجديدة بمجموعة من الأساطير كأننا نعيش في العصور الوسطى وليس في الألفية الثالثة, وكانت أول أسطورة امتلاك العراق أسلحة التدمير الشامل.. نبشوا الأرض وما تحتها للبحث عن أوهامهم ثم وضعوا كاميرات في كل المعامل والمنشئات بما في ذلك حمامات المياه بلا فائدة ونخلوا جيوب الوطن الضحية جميعها وعادوا بأيادي فاضيه, دخلوا مناطق سيادية وقصور رئاسية ووزارات في سابقة غريبة لم تمارسها فرق التفتيش منذ أن أسست عصبة الأمم المتحدة وخلفها الأمم المتحدة متجاوزين حرمة السيادة والاستقلال والكرامة وعادوا بخفي حنين, نقبوا الأرض وباطنها وأخذوا عينات من كل أتربة العراق وفحصوا السماء والرياح والمطر والغبار أوراق الشجر ولم يعثروا إلا على بلاهتهم وحمقهم وسخافتهم.

كان لا بد من أسطورة أخرى لحفظ ماء وجوههم الصفراء المكفهرة, وساعدتهم أحداث الحادي عشر من سبتمبر على لصق بوستر الإرهاب على خارطة العراق أو التشجيع عليه بأقل تقدير, وأثبتت التحقيقات أن الإرهابيين الذين نفذوا العملية لم يكن من بينهم عراقي واحد, فكانت الطامة الكبرى, ولكن الفشل أستفزهم إلى أسطورة أخرى وهي علاقة الرئيس صدام حسين بابن لادن وهي علاقة غريبة تجمع بين متناقضين هما العلمانية من جهة والتشدد السلفي من جهة أخرى ووضعوهما معا في أنبوبة اختبار واحدة رغم عدم تجانس العنصرين, فبقي كل عنصر منعزلاً عن الآخر غير قابل على الامتزاج والتفاعل, واستعانوا بجيش من العملاء وأطنان من الوثائق وكانت النتيجة كما يقول المثل العراقي" طفل اللي يموت أمبين من ..." ورغم أسر الرئيس صدام حسين من قبل قوات الغزو لكنهم عجزوا عن أثبات هذه العلاقة الملفقة كما أن ابن لادن نفسه لم يتحدث في كل خطاباته عن علاقة تربطه بالرئيس صدام حسين.

طويت هذه الصفحات ولكن بقيت الحاجة ماسة إلى إيجاد حلقة أخرى لتبرير الغزو, فكانت ثالثة الأثافي دعم وتعزيز حقوق الإنسان في أولى الحضارات ومهد الأنبياء والأولياء وقبلة الثقافات وموطن الكتابة الأولى والمسلات القانونية, متناسين سجلهم الأسود الذي يندي له جبين الإنسانية من فضائح التمييز العنصري تجاه الهنود الحمر والجنس الأسود والأجانب وتأريخ عصابات نيويورك, ومخلفات حروبهم في هيروشيما وناكزاكي وفيتنام وكمبوديا والصومال وغيرها التي ما تزال تطفوا على سطح حضارتهم كما تطفو الجيف فوق المياه الراكدة. وكانت ممارسات قوات الغزو في العراق أعظم دليل على هذه الحقوق ففضائحهم في سجن أبو غريب أفضل نموذج لتعزيز حقوق الإنسان ووجود(60) ألف سجن بدون مذكرة إلقاء قبض ولا محكمة, ناهيك عن قتل (650) ألف عراقي وتشريد(4) مليون داخل وخارج العراق, فأي فائدة للإنسان من حقوقه إذا قتل أو نفي أو شرد؟

كانت الفضيحة أكبر من أن تغطى أو تستر. مما استلزم البحث عن أسطورة أخرى فكانت بعنوان جديد وهو اجتثاث جذور الدكتاتورية وزرع بذور الديمقراطية على الطريقة الأمريكية, عرفوا أن هذه الكلمة لها وقع السحر في عقول العراقيين فاستخدموها كالطعم الذي يعلق في الصنارة لاصطياد الأسماك, ومن المؤسف أن بعض العراقيين بما فيهم السياسيين ورجال الدين وبعض المثقفين كانوا أول من أبتلع الطعم. ولم يكتف هؤلاء بالوقوع في الشرك فبدلاً من تحذير الآخرين جعلوا من أنفسهم طعماً للآخرين, كالأسماك الصغيرة التي توضع في الصنارة كطعم لاصطياد الأسماك الأخرى.

رضينا بالديمقراطية ولكنها لم ترضى بنا فما زلنا مرضى وعلتنا تحتاج إلى علاج طويل وعناية مركزة ودواء مستمر يقدم على شكل جرعات قليلة فجسمنا ضعيف لا يحتمل المزيد منها لأن من شأنه أن يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تهدد السلامة العامة وهذا ما جرى فعلا.

كل يوم يمر نتوجع أكثر ويرتفع أنينا متحولا إلى صراخ هستيري فإذا بالمشاكل تتحول إلى مصائب وهذه تتحول إلى كوارث. كنا أشبه بقافلة ضلت في وسط الصحراء فلا تستطيع الرجوع إلى خط البداية ولا أن تتابع مسيرها إلى المجهول.

بين الدكتاتورية المزعومة والديمقراطية المأزومة نهشت الفكرة براثنها الدموية في عقولنا وزلزلت قلوبنا وجعا وأنينا دون أن نجد آذانا صاغية لشكوانا, فالوقت يمضي ومازلنا فاغري الأفواه عجباً وتعجباً من حدوث الشيء ونقيضه في آن واحد.

لقد علمتنا تجاربنا المريرة أن الإنسان والوقت دائما في معركة متكافئة القوة, تحاربه بسرعة يحاربك بسرعة تصارعه على مهل يصارعك على مهل, تقتله بسرعة يقتلك بسرعة والهدنة في غير صالحك فإذا لم تجد ما تفعله به سيجد حتما ما يفعله بك. لكن في العراق الجديد تختفي الموازنات وتظهر التناقضات فالوقت يمضي بعبث ومجون فاسحاً المجال للفراغ لصبح سيد الموقف.

هذه هي الحقائق أنها أشبه بقطعة من الفلين كلما أغرقتها ودفعتها إلى الأعماق رجعت بقوة طافية إلى السطح.

قلنا لنجري حوارا بين الشئ ونقيضه فالحوار أسلوب متحضر لاستجلاء الحقائق من شأنه أن يساعدنا على فك الطلاسم العسيرة على الفهم والإدراك وكانت النتيجة مذهلة.

قالوا :- جلبنا لكم الديمقراطية بمذاقها الحلو! قلنا :- لكن طعمها على شفاهنا كان أمر من العلقم. ردوا علينا بسخرية وتهكم :- العيب في شفاهكم التي لم تتعود عليها بعد! قلنا لماذا حشرتموها إذن في أفواهنا؟

قالوا :- بالديمقراطية تعيش الشعوب وتنهض الأمم, قلنا:- ولكن شعبنا بها يموت كأنها ترياق زعاف ينتشر في جسده الواهن فلا يقوى على النهوض.

قالوا :- تحتاج شجرة الديمقراطية إلى زمن لتنضج ثمارها, قلنا:- الأموات لا تتذوق الثمار الناضجة أننا نريدها للأحياء.

قالوا :- ما العمل إذن ماذا تبغون منا؟ قلنا:- دكتاتورية تصلحنا أفضل من ديمقراطية تفسدنا, ودكتاتوريا تجمعنا أفضل من دكتاتورية تفرقنا, ودكتاتورية تحيينا أفضل من ديمقراطية تميتنا.

قالوا :- جلبنا لكم الحرية! قلنا :- مرجعة عليكم ففيها عيوب كثيرة لا تصلح للاستخدام.

إننا نعرف أن ثمن الحرية غال جداً وقبلنا به بدون مساومة, ولكن لم نشهد ويشهد غيرنا أن هذا الثمن سيكون الشعب والوطن والهوية والسيادة والاستقلال.

الحرية هي الحياة وليس الموت, الحرية دواء وليست وباء, الحرية عدالة وليست ظلم, الحرية مساواة وليس تمييز, الحرية نظام وليست فوضى, الحرية بناء وليس هدم, الحرية نزيف حب وليست نزيف دم .

قالوا:- من الفوضى الخلاقة ينبثق الإبداع والرقي والنظام! قلنا:- كل إناء ينضح بما فيه! فكيف تولد الفوضى نظاما؟ وهل بموجب نظريتكم هذه نتوقع بان الشر يولد الخير؟

إن فهمنا للديمقراطية والحرية هو إن كلاهما قطعة نفيسة من كنوز الإنسانية, فالحرية هي أن نحيا بكرامة والديمقراطية أن نحيا بسلام. لكن بوجودكم البغيض مهدتم للسأم طريقا سهلا إلى قلوبنا فخذوا ديمقراطيتكم العمياء وحريتكم الجرباء فلا نفع يجدي منها, لقد تعلمنا منكم درساً بليغاً وهو عندما يستهين الإنسان بحريته فتلك خطيئة ولكن عندما يستهين بها الآخرون فتلك جريمة.

ماذا أقول بعد أيها الوطن الجريح على مدى الدهور ما أن يندمل جرح حتى يستجد جرح! ماذا أقول عندما تتخبط المعاني في رواق الكلام وأنا أعيش مغترباً عن ترابك الطاهر مستذكراً أبن زريق البغدادي يتوسد قصيدته الوحيدة عن بغداد " ودعته وبودي أن أودع .. صفو الحياة ولكن لا أودعه" في غربتي سلوتي الأنين وأنيسي الدمع مصبرا النفس الهائمة بلقاء يثلج جمرات الشوق. معللا النفس بأنه لابد أن ينشق الأفق قريبا سامحا بتسلل أول دفقه من الضياء عندئذ ستعود الطيور المهاجرة إلى أعشاشها المخضرة بعد أن أعياها التعب والفراق.

نعم وطني الغالي أتلهف لرؤيتك كتلهف طفل منتظراً قدوم بابانوئيل ليحظى بهديته في أعياد رأس السنة .. ولكن ليس بوسعي أكثر من بطاقة تهنئة أقدمها لك بمناسبة العام الجديد مدادها دموعاً ساخنة كتبت بأحرف ملتهبة ( كل عام وأنت وطني أيها العراق الحبيب ).

كاتب ومفكر عراقي

alialkash2005@hotmail.com


في الثلاثاء 08 يناير-كانون الثاني 2008 08:58:52 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=3111