جنازة زبيد ... اربع بوابات لبوابة واحده
معاذ منصر

  "الزمن لا يعود إلى الوراء". هذه المقولة تفتقد مصداقيتها في مدينة زبيد التاريخية. إنها محاصرة في زمنها الماضي، ويبدو كما لو أن الحاضر يعاقبها بأثر رجعي. تعيش زبيد على أطلال حضارة ماضية يجري تدميرها. وهي إذ تعيش الماضي فإنها تتجسد اليوم كمكان وإرث عظيم حاصره الزمان وعبثت به أيدي الجهل والتخريب.

 هذه المدينة الأثرية تحتضر، بتراثها وتاريخها الكبير، ومعالمها الأثرية آيلة للسقوط. المباني ذات الطابع المعماري القديم المزخرف بالنقوش الجميلة مهجورة.. خربة.. المدارس الإسلامية والمساجد خاوية على عروشها وظلام دامس مخيم عليها.

 تفتقر المدينة لكافة الخدمات: صحية، تعليمية،.. وغير هذا فإنها تتعرض لعملية تدمير منظمة.

التسول، الفقر، الاندثار ثالوث متوازي الأضلاع يتسيد المدينة ويسيطر عليها.

بعد صنعاء القديمة وشبام حضرموت، أدرجت زبيد في قائمة التراث العالمي عام 1993، من قبل منظمة اليونيسكو. حينه ا بدأت المدينة تشهد تسارعاً أكبر في عملية الاندثارات التي كانت تصيب معالمها التاريخية.

 تشوهات ناجمة عن الإضافات والتوسعات في المباني القديمة، وأخرى عن بناء مساكن جديدة، بمواد إسمنتية أخذت تحتل المسافات والمتنفسات الخاصة بالمدارس الإسلامية والبوابات التاريخية.

 المخلفات والتشوهات مستمرة يوماً بعد آخر. إنها تظهر اليوم كنتوءات أمام كل زائر للمدينة. استشعرت اليونيسكو ذلك، فأصدرت قراراً بنقل زبيد إلى قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر عام 2001.

 الحكومة لم تهتم بذلك، إذ ظلت التجاوزات والتشوهات تطال الطابع المعماري وسور المدينة أيضاً.

 4200 منزل تاريخي، لم يتبق منهما سوى قدر ضئيل مهدد بالخطر. المباني مبنية بمواد تقليدية كالياجور، النورة، والخشب، ويميزها شكلها الجميل بتصميم خاص: تشرف على بوابة المنزل باقي الغرف.

 يطلق أهل زبيد تسمية "المربعة" على غرف خاصة بالمعيشة والنوم. كما يطلقون تسمية "الصفة" بواجهتها المفتوحة على الغرف الخاصة بالمعيشة والنوم أثناء الرطوبة (الصيف). والمعنى أن تقسيم المنزل في زبيد تم بناؤه على الظروف المناخية.

 يتضمن البيت في زبيد غرفة تدعى "المبرز"، وهي مخصصة لاستقبال الضيوف. والعادة أن "المبرز" يقع قرب مدخل البيت.

 الطابق العلوي يتضمن غرفاً عدة يطلق عليها "الخلوة"، وهي مخصصة للحياة الخاصة للأهالي والنساء.

 وينتهي المنزل بـ"الليوان" وهو اكبر من "المربعة"، ويستخدم لاستقبال الضيوف في المناسبات الكبيرة، لهذا يصل طوله إلى 9 أمتار.

 40% تقريباً من هذه البيوت بحالة خراب جزئي وغير صالحة للسكن، رغم أن الناس ما زالوا فيها: جدرانها المزخرفة بالنقوش التاريخية، وآيات من القرآن الكريم، في حالة تشقق وتصدع، والتآكل يسير بشكل حثيث، ثم القضاء على أساساتها.

 هناك قصور هجرها أهلها بعد أن فشلوا من الحفاظ عليها والسكن فيها.. ظروفهم الاقتصادية متردية ومتدهورة.

 لم يكن لهم سوى وادي زبيد يعتاشون منه. اليوم هو قاحل، ويقول الأهالي إن أسعار الديزل أعاقت استمرارهم في زراعته.

 زبيد المدينة والتاريخ، مدينة العلم والعلماء، مرت بفترات تاريخية عدة. كانت تتمتع بمكانة علمية كبيرة.. يتوسط المدينة جامع الأشاعر، الذي أسسه الصحابي أبو موسى الأشعري بعد أن أرسله النبي محمد إلى المدينة.

 لم يكن الأشاعر مجرد مسجد تؤدى فيه الصلوات والعبادات، بل كان جامعة تُدرس فيه مختلف العلوم الدينية والشرعية. ويصفه كثير من المؤرخين كأول جامعة إسلامية.

 هذا الجامع لحقه الخراب كما يبدو في الصورة. التصدعات واضحة على جدرانه، الأجزاء السفلية منه مدفونة في الأرض، وسطحه آيل للسقوط.

 الجامع الذي تخرج منه مئات العلماء والفقهاء مهجور. لقد أصبح مجرد تاريخ. عشية رمضان الحالي، تطوع بعض أبناء المدينة لفرش هذا الجامع بأثاث قديم يملؤه التراب. أحد المتطوعين قال إنهم بذلك يحاولون إحياء ذكرى كانت تقام في هذا الجامع: يصلون فيه ويذكرون الله عشية كل رمضان، ويستمرون في الصلاة فيه طوال هذا الشهر.

 تمثل المدينة محطة سياحية هامة، تبعد 27 كيلو متراً عن البحر الأحمر، لها 4 منافذ بحرية: "البقعة، ميناء غلافقة، الفازة، المخا".

 يحد المدينة جبال وصاب السافل شرقاً، جبل رأس غرباً، وشمالاً بيت الفقيه، كما يحدها من الجنوب مديرية حيس والخوخة.

 لعبت زبيد دوراً هاماً في التاريخ الإسلامي، كانت مصدر إشعاع علمي وثقافي بلغ مستواه دول العالم.

 155 ألف شخص هم سكان المدينة القديمة، القاطنين في تلك المباني القديمة، اندثارات متسارعة تتخللها، منذُ سنوات طويلة. القاطنون يعايشون الكارثة، حياتهم مهددة بالخطر، البعض منهم هجروا منازلهم، بعد أن بدأت سطوحها تتساقط على رؤوسهم، وأيضاً الأجزاء السفلية منها. صرخات هؤلاء المواطنين وهم يهجرونها لم تلق الآذان الصاغية لدى الحكومة. فمنهم من قضى نحبه ومن هم من ينتظر تلك الهجرة القاسية.

 يحيط بالمدينة سور خارجي كبير، يمتد لمئات الآلاف من الأمتار، مبني بالياجور، النورة، أناس ضحوا بحياتهم وبذلوا كل جهودهم في بناء هذا السور، الذي احتاج بناؤه لسنين طويلة ماضية.

 السور الذي يحيط بالمدينة يتخلله 4 بوابات تاريخية: "بوابة سهام الشمالية، النخيل الغربية، الشبار الشرقية، القرصب الجنوبية". الأجزاء السفلية من هذه البوابات في حالة اندثار، اعتلاها بناء حديث، المساحات الواقعة أمام هذه البوابات احتلها مسؤولون في المؤتمر، استخدموها في تشييد مبان حديثة.

 منذُ بداية العام المنصرم، بدأت المدينة تلفظ أنفاسها الأخيرة. استشعرت اليونيسكو، ذلك. فأعطت (اليونيسكو) الحكومة مهلة لمدة 6 أشهر لإصلاح المدينة وإنقاذها مما يصيبها. ولم تلق صرخات اليونيسكو الآذان الصاغية لدى الحكومة.

 مؤخراً أعطت "اليونيسكو" مهلة أخيرة للحكومة، مدتها عام واحد. بعدها ستتخذ المنظمة الأممية قراراً حاسماً بشطب المدينة من قائمة التراث العالمي. الحكومة طالبت "اليونيسكو" بتمديد المهلة، فأعطتها عاماً آخر.

 عبدالله زيد رئيس هيئة المحافظة على المدن الأثرية، قال لـ"الشارع": "مهلة العامين لا تكفي لإصلاح المدينة. فإصلاح المدينة يحتاج إلى سنين، ونحن خلال العامين سنعمل على إصلاح الأشياء الأولية –الضرورية".

عن / صحيفة الشارع

 


في الأحد 20 يناير-كانون الثاني 2008 07:45:09 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=3199