جديد المرشدي و11 فبراير والزعيم صالح
عبدالفتاح الحكيمي
عبدالفتاح الحكيمي
 

لا تظهر علامات تقدم السن على ملامح وجه المطرب والموسيقار الكبير محمد مرشد ناجي رحمه الله , فيبدو أصغر من عمره بكثير رغم مرضه الخطير.

أِستغرقت ٣ أشهر لاقتناص فرصة لقائه بحكم متاعبه الصحية.

كأنه يعرفني وقارئ متابع أو هكذا بدا لي.. وسألني عن بعض الأسماء الثقافية التي عرفها وأحوالها.. والرجل مشغول بالسياسة وأوضاع البلاد أكثر من اهتمامه بصحته .. قال أن وضع اليمن الطبيعي طوال التاريخ هو حالة الاضطراب والتقلبات والخضات واللا أستقرار .. وسوف تستمر هكذا إلى ما شاء الله.

كانت جلسة خاصة نادرة مع الرجل في معمعة ثورة فبراير .. تحديداً عصر الجمعة ٨ ديسمبر ٢٠١١م .. وعمره ناهز ال ٨٣ عاماً ..

أعرف خطورة انفعالات شخص مصاب بمرض القلب الرئوي الشديد لكن حماسته للفضفضة أكبر من قلق بعض أبنائه الذين حضروا المقيل وهم يتوقعون حدوث نوبة ما بفعل حالته. 

استهل المقيل بتشغيل أغنية تراثية شهيرة محفوظة بصوته الرخيم على ال mp3 هي(( بالله ما يحويه هذا المقام)) أطربت صديقه الحميم (علي عوض واقص) سجلها عام ١٩٨٥ م.. قال هذه يفتتح بها المطربون في اليمن عادة الجلسات والحفلات.

والكثيرون يعتقدون خطأ أن أغنيتي((على ذكراها)) هي للشاعر الكبير المرحوم محمد سعيد جرادة والحقيقة أنها للشاعر اللبناني(ثامر نصر) .. والجرادة هو صاحب أغنيتي الأولى(( هي وقفة)).. والقصة أنني قبل الإستقلال التزمت بتقديم حفلتين سنوياً.. ولم أجد غير كلمات ثامر نصر.. وغنيت(يا نجم يا سامر) عام ١٩٦٠م.

وقد غنيت بمختلف الألوان الصنعاني, الهندي, العدني.. وفكرت بإنتاج أغنية هندي .. وسيأتي وقت نحن والهنود أكثر تقارباً.. أما با مخرمة ومحمد جمع خان دشنوا لون الغناء الهندي, إيقاعات وألحان.

قال بما يشبه المفاجأة على ذكر أغنية((بالله ما يحويه هذا المقام)) لا يوجد شيء إسمه أغنية صنعانية بل((موشح يمني)) ويوافقني في ذلك محمد حمود الحارثي الأكثر ثقافة من الإعلاميين, وهذه الأغنية للآنسي كتبها قبل ٤٠٠ سنة.

وتركته في سرد ما بخاطره دون أسئلة أو تدخل.. كان يميل إلى السياسة وتداعيات الصراع على السلطة.. اختصر المشهد والمخرج للتطاحن في ذروة ثورة ١١ فبراير بكلمات(( إذا لم نكن يمنيين أولًا فلن تقوم لنا قائمة ابداً)).. ولا تزال وطأة هذا الكلام شديدة في تشخيص من يبيعون وطنهم اليوم ويستثمرون المأساة على حساب كرامة ومصالح شعبهم.

* صالح وعبدالفتاح اسماعيل*

ذكرته بتجربته مع الشاعر ذو يزن(عبدالفتاح إسماعيل) كان عزيزاً جداً على قلبه لما أولاه من عناية استثنائية لائقة في وزارة الثقافة التي شغل قيادتها اسماعيل بعيد استقلال الجنوب مباشرة وعمل معه ولحن له وغنى قصيدته الشهيرة((مَخْلَف صُعِيْب)).. لكنه قال لي: علي عبدالله صالح أهتم بي أكثر من غيره من القادة)).. يقصد بعد الوحدة وسر الإهتمام الشخصي بنظري لكثرة ما حَرَّضت على صالح أغنية المرشدي الشهيرة(نشوان) من كلمات راهب الأغنية الوطنية سلطان الصريمي.. وكان تزامنها مع صعود نجم صالح صاعقة عليه لم ترحمه مع حرب٧٩ الشطرية بين صنعاء وعدن,شغلت بها الصغار والكبار طويلاً.

واستطرد في الاستذكار :

عبدالله البردوني عام ١٩٧٩م صرخ بأعلى صوته من أجل هذا الوطن يسرد قصته في الحياة كضرير ثم لا يجد نفسه في وطنه.. أنه أعظم شخصية عرفتها قال: ذاك حظي لأن أمي سعود وأبي مرشد وخالي قمادي .. إلى جملته إلا أنا وبلادي .. يقصد أنه يدفع ثمن انتمائه لليمن ...وبحسب المرشدي تحول الانتماء للوطن عندنا إلى مشكلة.

وقد غنيت قبل الوحدة في عدن من كلمات البردوني على المسرح دون إذنه قصيدته الشهيرة التي انتشرت بعد حركة فبراير(( لنا بطون ولديكم بنوك .. هذي ألمآسي نصبتكم ملوك/ حرية المقهى لنا .. عندكم لكل داخلي فكوك..

لكم ثراء ولنا ثورة من أنت تدعي من أبوك)).. قال البردوني لمرافقه (العزي) أطلع المسرح واشكر المرشدي على هذا اللحن البديع وكان في مقدمة الحاضرين .. وعَدَّل إحدى كلمات القصيدة لتتماشى مع واقع الحال ولم يعترض البردوني.

والمرشدي لا يتنكر لعلاقاته الاجتماعية وحبه للناس صغيراً أو كبيراً بل إنه توفي رحمه الله بعد ذلك بشهرين بالوفاء والتمام ٧ فبراير ٢٠١٢م في طريقه عصراً لحضور عرس ابن أحد أصدقائه القدامى في كريتر ولفظ أنفاسه الأخيرة على متن السيارة التي أقلته قبل دقائق من وصوله!!.

ومما قاله لي أن الناس ذات يوم سوف يحتفلون ويصنعون في عدن تمثالًا لعبدالفتاح إسماعيل وأن دوره الوطني أكبر من أن يدرك.. وتحدث عن متاعب واجهها من رفاقه على علاقة بالخلفية الاجتماعية ليس أكثر في مجتمع قياداته متخلفة فكرياً أكثر من عوام الناس!!.

تذكرت فكرة تمثال العم أبو علي المرشدي وأبناء عبدالفتاح يناشدون رئيس الجمهورية قبل عامين استرجاع منزل مؤسس الحزب الاشتراكي الذي صدر بشأنه حكم قضائي لصالح أسرة فتاح.

* توقع غَلَبَة صالح *

من خلال حديثه الصريح في المقيل الذي استمر ٣ ساعات كان المرشدي يعتقد أن ميزان علي عبدالله صالح العسكري وشعبيته سوف ترجح بقاءه في الحكم وأزاحة خصومه من المشهد بالغلبة وكأن في الأمر شيئاً ما, ولعله تفاجأ بما يسمى تنازل صالح(ألمراوغة) وربما كلمة السر التي شاعت أيضاً بعد ذلك هي نفسها بين نخبة وصفوة الإداريين والعسكريين الصوالح(المُعَتَّقين) أن التنازل(استراحة محارب) وخدعة التقاط الأنفاس.

رحل المرشدي قبل أيام من تتويج عبدربه منصور لاحقاً في ٢١ فبراير.. وبدأت رحلة الزعيم العكسية إلى السلطة التي(تنازل عنها!!) ارتماء في أحضان الحوثيين الذين أكرموا مثواه.

لم يتعصب المرشدي لصالح الذي أغدق عليه وحاول استمالته بعد الوحدة كبرلماني وسياسي خطير قبل كل شيء محسوب على كتلة الاشتركي ولشعبيته الفنية الكبيرة.. ولم ألمس أيضاً أنه كان ضد صالح بتأثير إحساس الفنان السياسي الذي ينظر إلى كل الزوايا بعين واحدة.

وهذا التأمل في أفكار محمد مرشد ناجي الفنان والإنسان ليس كل محتوى المقابلة النادرة إلا أنها مفتاح مهم لإثارة أسئلة جديدة في واقع السياسة والأزمات والفن في اليمن.. مقدمة بالمناسبة أِجتمعت فيها ذكرى وفاة المرشدي ب ١١ فبراير الثورة وبتنازل الزعيم علي عبدالله صالح عن السلطة في ٢١ فبراير نفسه بعد عام وانقلابه الذي لا نزال ندفع ثمنه الفادح لوريث العرش صاحب جرف سلمان.. ولم يسلم منه رأس المخطط.

وسأحاول نشر ماتبقى من تجربة فنية وسياسية للمرشدي.. وعلاقة الرجل بفنان العرب محمد عبده وغيره وأشياء أخرى عن دور الحركة الوطنية في مقاومة الإنجليز .. لاحقاً بأذن الله تعالى.


في الأحد 07 فبراير-شباط 2021 07:35:58 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=45316