كتّاب من الدرجة السياحية
د.عائض القرني
د.عائض القرني

الكتّاب على أقسام: درجة أولى وأفق وسياحية، وكتاب الدرجة السياحية هم المقصودون بالحديث؛ لأنهم في سن التقويم والتربية والتوجيه، ولأنهم براعم شابة أخشى عليهم من القواصف والعواصف، ونبت صغير أخاف عليه من السيول الهادرة الجارفة، وقد نشأ عندنا في العالم العربي كتاب صغار (كتاكيت) وكل كتكوت طار قبل أن ينبت له ريش، فبدأ هؤلاء الكتاكيت، في أعمدتهم بالصحف والمجلات، يصنعون مجدهم على حساب الآخرين، وظن هؤلاء الصغار أن أقرب طريق للشهرة أن تشتبك مع مسؤول، أو تتحرش بوزير، أو تتلابس مع كاتب، أو تهمز شيخا، أو تلمز أستاذا، أو تنبذ شاعرا، أو تخمش تاجرا، أو تتسلق حائط جامعة، مع أنهم لم يكوّنوا أنفسهم في عالم الكتابة تكوينا صحيحا، فما عندهم مفردة جميلة، ولا بيان ساحر، ولا أسلوب آسر، ولا فكرة رشيدة، ولا رأي سديد، فقراءتهم ضحلة، واطلاعهم هش، وتمييزهم ضعيف، واختيارهم هزيل، والكتابة تأتي بعد قراءة مئات المجلدات، والاطلاع على آلاف الصفحات، وكتابة أكوام كثيرة من الأوراق ثم إتلافها وعدم الرضا عنها، وتسطير مئات المقالات ثم شطبها؛ لأنها ليست بالمستوى اللائق، ولكن بدل أن يبنوا جسور المودة، وينسجوا خيوط المحبة، سلوا خناجر الانتقام والقصاص والكراهية والثأر والحقد، وغفلوا عن مبدأ «ادفع بالتي هي أحسن»، وقد نصح مصطفى أمين ـ الكاتب المصري المشهور ـ الكتاب المبتدئين بأن يقرأوا كثيرا، وأن يدمنوا مصاحبة الكتاب، ولا يقيموا خصومة في المجتمع، ولا يفتتحوا حياتهم الصحافية بنهش الأعراض، وصنع العداوات، لأنهم سيخسرون من أول الطريق، والمستفيد الوحيد هو من همزوه أو لمزوه أو غمزوه؛ لأنه يزداد شهرة.

وقد وفد أحد الكتاب الكبار على عباس محمود العقاد وشكا إليه ظلم الصحافة، وهجومها على شخصه صباح مساء، فقال له العقاد: أرجوك اجمع لي كل المقالات والقصاصات التي هاجمتك وشوهت سيرتك وزرني غدا، وفي اليوم الثاني أحضر له ملفات من مقالات الشتم والسب التي كتبت فيه، قال العقاد: اجمعها أمامي ورتبها، فلما أصبحت (كالبلوكة) الكبيرة أو (المسند) المستطيل، قال له العقاد: اصعد لو سمحت عليها، فصعد الرجل وارتفع عن الأرض قليلا، فقال له العقاد: قد ارتفعت بهذا السب بقدر ما ارتفعت عن الأرض، ولو زادوك سبا لزدت ارتفاعا، ثم قال له: أما سمعت قول الأخ المتنبي:

* وإذا أتتك مذمتي من ناقص - فهي الشهادة لي بأني كاملُ

* فعلى كتاب الدرجة السياحية أن يتفرغوا كثيرا للقراءة المثمرة في كتب الأدب ودواوين الشعر، ومصنفات المقالات والمطارحات والمقامات، وأخبار الخلفاء والعلماء والحكماء وآثار الأدباء والشعراء والوزراء، وأن يكسبوا الثقة بجميل القول وحسن التعامل وسلامة الذوق، والنظر بعين الإنصاف وحب الخير للغير، وعليهم أن يغسلوا نفوسهم المريضة بماء الإيمان والمحبة والسلام والعفو والتسامح، وأن يقتلوا في قلوبهم عقارب الحقد، وثعابين الحسد، وحيات البغضاء، ووزغ الشحناء، وأن يزرعوا في صدورهم زهور التفاؤل، وخمائل الأمل، وبساتين الرضا، وأن يسقوها بماء الإخلاص، ويظللوها بشجر الصبر، وليستمعوا لقول شاعر الكرة الأرضية المعاصر، حيث يقول في هؤلاء الكتاكيت الفروخ:

* يا كتاكيت المقاهي والكتابة - يا فراريج هُديتم للإصابة

* اهجروا السبّ وألفاظ الخنا - إنما يفرح بالجرح الذبابة

* وخذوا النصيحة من (عمكم في الله): اصعدوا إلى المجد درجة درجة، وامشوا إلى الريادة خطوة خطوة، ولا تغلطوا غلطة، فتسقطوا سقطة، وتقعوا في ورطة، واقرأوا لابن المقفع قصة الأسد والبطة.

 
في الجمعة 03 يوليو-تموز 2009 05:52:34 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=5518