القاعدة تجلب المليارات لليمن
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان

إستغرق اجتماع لندن لبحث الاوضاع المتدهورة في اليمن الذي شارك فيه اكثر من عشرين دولة ممثلة في وزراء خارجيتها، حوالى الساعتين فقط، الامر الذي يعني واحدا من امرين، الاول ان الملف اليمني ليس على درجة التعقيد التي يعتقدها الكثيرون، والثاني ان تكون الدولة الراعية، اي بريطانيا، قد هيأت الخطوات اللازم اتخاذها، بالتنسيق مع واشنطن، ولم يبق امام المشاركين، والعرب منهم على وجه الخصوص، غير 'الموافقة' ومن ثم التنفيذ دون اي مناقشة.

السيد ابو بكر القربي وزير خارجية اليمن قال ان المجتمعين انجزوا في ساعتين ما لم ينجز في ايام في مؤتمرات اخرى، وان ما تم الخروج به من قرارات يلبي المطالب اليمنية في التنمية الاقتصادية وتأكيد عملية 'الشراكة' بين اليمن واصدقائه، وكأنه يرد على بعض التعليقات الساخرة التي تركزت حول قصر المدة الزمنية للمؤتمر.

السيدة هيلاري كلينتون كانت اكثر وضوحا وصراحة من نظيرها اليمني، عندما ربطت اموال الدعم الاقتصادي بمجموعة شروط، من بينها الاصلاحات الاقتصادية، ومحاربة الفساد، والحفاظ على حقوق الانسان وترسيخ حكم القانون، وهي بنود يحتاج تطبيقها الى تغيير كلي في اليمن، تغيير النظام وتغيير التركيبة القبلية الشعبية من اساسها.

دولة اليمن ظلت مهمّشة طوال السنوات الماضية، وربما لا تعلم بوجودها، ناهيك عن موقعها الجغرافي، الغالبية الساحقة من الاوروبيين والامريكيين. فجأة انقلبت الصورة كليا، واصبحت هذه الدولة تتصدر عناوين الصحف ونشرات التلفزة.

كلمة السر السحرية: 'تنظيم القاعدة'، وتوقف الشاب النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب بأرضها لبضعة اسابيع، قبل ان يقدم على محاولته الفاشلة لتفجير طائرة ركاب امريكية فوق مدينة ديترويت اثناء احتفالات اعياد الميلاد.

اليمنيون الذين يحتلون المرتبة الاخيرة على قائمة الفقر عربيا لعقود ماضية، لم يتوقفوا عن الصراخ، حكومة وشعبا، طلبا للنجدة، سواء من جيرانهم الخليجيين الاثرياء، او من الدول الغربية المانحة، ولكن لم يستجب لهم احد. والاكثر من ذلك انهم ازدادوا فقرا وجوعا بسبب تراجع صادراتهم النفطية، مصدر الدخل الاساسي، من 70 في المئة الى 50 في المئة، وتصاعد حدة الانفجار السكاني وما يترتب عليه من بطالة وانهيار في الخدمات، واستفحال الأمية.

من المفارقة ان قدوم تنظيم 'القاعدة' الى اليمن هو الذي حلّ عقدة عزلة البلاد وإهمالها، وادى الى تزايد الاهتمام الدولي بها، ورصد المليارات لانقاذها من فقرها، الامر الذي قد يدفع شعوب دول اخرى في العالم الاسلامي، تعاني من الفقر والجوع والديكتاتورية، الى التفكير بتوجيه دعوة رسمية الى الشيخ اسامة بن لادن زعيم التنظيم لفتح فروع في اراضي بلادهم، للخروج من احوالهم المعيشية المزرية، ولفت انظار العالم الى مظالمهم، فربما تتدفق عليهم المساعدات المالية، وتفرض الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون الاصلاحات الديمقراطية وحكم القانون على انظمتهم مقابل اخراج التنظيم من اراضيهم.

تنظيم 'القاعدة' يمكن ان يتوصل الى اتفاقات مؤقتة وفق فترة زمنية متفق عليها، مع الشعوب العربية والاسلامية المقهورة، للحصول على المساعدات، والتخلص من الانظمة الدكتاتورية، وبعد ان يتحقق الغرض موضع التعاقد، يغادر التنظيم الى دولة اخرى لافتتاح فرع جديد، وفق اتفاق جديد.

' ' '

يصعب علينا ان نصدر اي حكم حول مدى نجاح مؤتمر لندن في تحقيق اهدافه في مواجهة تنظيم القاعدة والقضاء على اخطاره، بالوسائل العسكرية، وتحقيق التنمية الاقتصادية وفرض الاصلاحات السياسية لاجتثاث الفقر والبطالة والغبن الواقع على الشعب اليمني، وبما لا يسمح بتوفير ملاذ آمن للقاعدة في بلاده. فهناك قرارات واتفاقات جرى اتخاذها خلف الابواب المغلقة، على الصعيد العسكري على وجه التحديد، ولا نعرف كنهها.

ما نعرفه جيداً، وبحكم تجاربنا السابقة والحالية كعرب ومسلمين، ان الولايات المتحدة الامريكية لم تتدخل عسكرياً في دولة الا وحوّلتها الى دولة فاشلة، تسودها الحروب الاهلية او الطائفية، والفساد المالي والأخلاقي، ولنا في العراق وافغانستان بعض الامثلة، وفي فيتنام وكمبوديا امثلة أخرى اضافية.

الامريكان ذهبوا الى العراق دون ان يعرفوا ديموغرافيته البشرية وتعقيداته الطائفية، وشنوا حربا على افغانستان دون ان يدرسوا تاريخها وخريطتها البشرية او الجغرافية، وجاءت النتائج كارثية في الحالين.

الان يكررون الخطأ نفسه في اليمن، وابرز دليل على ذلك، ليس مطالبة السيدة كلينتون بالديمقراطية والحكم الرشيد، ولكن بالمساواة بين الجنسين في اليمن. هل هناك جهل اكبر من هذا بهذا البلد وعاداته وقبليته وخريطته الاجتماعية؟

السيد القربي قال في تصريحات صحافية قبل مؤتمر لندن ان حكومته لن تسمح مطلقاً بتدخل عسكري امريكي 'مقنعّ' في اليمن، بينما تؤكد صحيفة 'النيويورك تايمز' الامريكية، وثيقة الصلة بصنّاع القرار الامريكيين، ان القوات الامريكية تشارك بفاعلية في العمليات العسكرية ضد اماكن تجمعات القاعدة في اليمن، فأيهما نصدق، الوزير اليمني ام الصحيفة الامريكية؟

الحكومات الغربية لا تقدم المليارات مجاناً، وغالباً ما تملي شروطها على الآخرين، الذين عليهم تقديم فروض الطاعة والولاء دون مناقشة، ولا نعتقد ان هذه الحكومات، والامريكية منها بالذات، ستقف موقف المتفرج، وتعتمد على القوات اليمنية للتعاطي وحدها مع ملف القاعدة وهي التي عجزت عن اخماد تمرد بسيط للحوثيين في صعدة على مدى السنوات الاربع الماضية.

الشيخ صادق عبد الله الاحمر، شيخ مشايخ قبيلة حاشد، او قبيلة الحزب الحاكم في اليمن، تزعم اجتماعاً امس الاول لزعماء القبائل ورجال الدين في صنعاء استباقاً لمؤتمر لندن، وكان لافتاً تحذيره من خروج هذا المؤتمر باتفاق 'سايكس بيكو' جديد يفتت اليمن ويمزقه، وتعهده باعلان الجهاد ضد اي تدخل عسكري امريكي في البلاد. وليست صدفة ان يكون جالساً الى جانب الشيخ عبد المجيد الزنداني اكبر زعماء السلفية في اليمن، والمطلوب امريكياً، بسبب عدائه السافر للولايات المتحدة الامريكية وحروبها في العراق وافغانستان.

' ' '

الحكومة اليمنية في صنعاء حققت بعض اهدافها من وراء مؤتمر لندن، اي الحصول على الاموال، وانتزاع التزام امريكي دولي بتعزيز الوحدة، والحفاظ على السيادة اليمنية، ولكنها اصبحت في المقابل حكومة تخضع للانتداب الامريكي المباشر، وتسبح في منظومة المشاريع الامريكية في المنطقة كرأس حربة في الحروب ضد تنظيم القاعدة، وربما حروب اخرى ضد ايران، اذا لم ترضخ للشروط المفروضة عليها للتخلص من طموحاتها النووية.

كان لافتاً ان السيدة هيلاري كلينتون اعلنت في المؤتمر الصحافي نفسه ان الحرب على صعدة انتهت، والآن باتت هناك فرصة طيبة للتركيز على الحرب ضد 'القاعدة'، فهل هي صدفة ان تتوقف هذه الحرب، او تنحسر اطرها، قبيل ايام معدودة من مؤتمر لندن؟

علامات استفهام كثيرة يطرحها مؤتمر لندن حول مستقبل اليمن، والدور الغربي والعربي فيه. ربما نرى اجابات تفك طلاسمها في الاشهر او الاعوام المقبلة، ولكن ما يبدو واضحاً لنا بجلاء، ان التدخل الامريكي العسكري والامني والمالي في اليمن لن يكون افضل حظاً من نظيريه في العراق وافغانستان.

الادارات الامريكية تحارب تنظيم القاعدة وحركة طالبان منذ تسع سنوات، ومع ذلك لم تحقق اي نجاح يذكر، بل ادت حربها هذه الى تعزيز التنظيمين، وزيادة خطرهما، حتى ان مؤتمر لندن الآخر، الذي يبدأ اعماله اليوم لبحث الوضع في افغانستان ، سيركز على كيفية التفاوض مع طالبان، واشراكها في الحكم بصيغة او بأخرى.

التدخل الامريكي في اليمن قد لا يوفر الحماية المطلوبة لامريكا من هجمات القاعدة التي هدد باستئنافها زعيمها في شريطه الاخير، حتى لو فُحصت مؤخرات كل نساء العرب ورجالهم في مطاراتها، ولكن المؤكد انه، اي التدخل الامريكي، لن يحقق الاستقرار في اليمن، وان كان سيحافظ على وحدته كدولة فاشلة تعم الاضطرابات معظم ارجائها.


في الخميس 28 يناير-كانون الثاني 2010 02:20:31 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=6420