رسالة مفتوحة إلى رئيس البرلمان بشأن عرائس الموت
عبدالرحمن أنيس
عبدالرحمن أنيس

الأخ/ رئيس مجلس النواب المحترم

لقد تابعت كغيري نتائج الزيارات المكوكية التي قام بها عدد من رجال الدين وقد كنتم أنتم إحدى وجهاتهم، حيث التقوا بكم من أجل الضغط على البرلمان لإعادة النظر في تحديد سن الزواج الذي أقره البرلمان منتصف فبراير من العام الماضي وقد أتى تحركهم هذا بعد سيل من الفتاوى والبيانات والتصريحات التي تعتبر تحديد سن الزواج بدعة علمانية غربية لا يجوز تطبيقها في بلاد الإسلام.

كما أطلعت على التظاهرة المدنية التي نفذها عدد من منظمات المجتمع المدني أمام مجلسكم الموقر للمطالبة بتحديد سن الزواج بـ (17 عاماً) بعد مظاهرة حشدها قطاع حزب الإصلاح واستنفر فيها نساءه وقطاع طالبات جامعة الإيمان رغم أن لديهم مبدأ يحرم على المرأة الخروج للعمل والدراسة ولكنهم سمحوا لها هذه المرة بالتظاهر للمطالبة بإباحة تزويج الصغيرات ، ربما لأن الضرورات تبيح المحظورات!!.

لقد بلغني وساءني كثيراً التصريح الذي أدليتم به لوفد المنظمات المدنية ووفد رجال الدين والذي أكدتم فيه إقراركم لتحديد سن الزواج ولكن مع حذف العقوبات المتعلقة بالمخالفين لنص هذا القانون ، وهذا يعني أنكم من يقرر القانون بعد أن اختزلتم السلطة التشريعية في منصب رئيس مجلس النواب وأن أعضاء مجلس النواب لا يقدمون ولا يؤخرون .. فما قيمة التصويت على القانون إذا كنتم قد حددتم سلفاً كيف سيكون مصيره شكلاً ومضموناً ؟!! وما هو مصير تصريحكم المثير إذا رفضته غالبية أعضاء مجلس النواب وأصرت على ضرورة أن يكون لهذا القانون كغيره من القوانين سلطة ملزمة للمجتمع وكافة أجهزة الدولة.

الأخ رئيس مجلس النواب المحترم

إن إلغاء العقوبات على المخالفين لنص المادة القانونية التي تحدد سن الزواج في قانون الأحوال الشخصية يمثل إفراغاً للقانون من محتواه ويجعل كل جهود المجتمع المدني والقوى الحية في المجتمع تذهب سدى، ويجعل مسلسل المآسي مستمراً في اغتيال براءة الطفولة وانتهاكها وإباحة التمتع بأجساد القاصرات من قبل الذئاب البشرية التي تصر على إباحة تزويج الصغيرة ولو كان عمرها يوماً واحداً.

وإذا ما ألغينا العقوبة بحق المخالفين لنص المادة القانونية الخاصة بتزويج الصغيرات فإن هذه المادة سيصبح مفعولها كعدمها ولن يكون هناك داعٍ لإقرارها بالمرة ، بل إن ذلك سيفتح باباً خطيراً لإجراء تسويات لاحقة على حساب سلطة القانون في حال وجود اختلافات حول قوانين أخرى تحتاجها البلاد ، حيث لن يكون أمامنا سوى إصدار قانون غير ملزم على نحو ما جاء في تصريحكم المثير والمخالف للدستور لأن البلاد يحكمها دستور وقوانين ملزمة وواجبة التنفيذ ، ولا قيمة لقانون لا يلزم أحداً بتنفيذه .. وبالتالي لا نفهم كيف نقيم سلطة الدستور والقانون إذا كنتم ترغبون في عدم إلزام أحد بتنفيذ القانون ومحاسبته إذا خالفه.

الأخ رئيس مجلس النواب المحترم

لا شك في أنكم تابعتم آخر فصول تلك المآسي والمتمثل بمقتل الطفلة الهام شوعي وهي لم تتجاوز الثانية عشرة من العمر بعد ثلاثة أيام من زواجها المبكر بسبب تمزق كامل في أعضائها التناسلية ونزيف مميت ، وكانت قد سبقتها الطفلة (فوزية عبد الله يوسف عمودي) البالغة من العمر 12عاماً والتي انتقلت روحها إلى بارئها أواسط رمضان الماضي بعد تعسرها في الولادة في المستشفى السعودي بمحافظة حجة ، بعد أن تم انتزاعها من مقاعد الدراسة في الصف الرابع الأساسي وتزويجها وهي في الـ11 من العمر.

وفي أكتوبر الماضي قامت احدى الفتيات بمحافظة تعز بارسال رسالة بخط يدها إلى منظمات حقوقية تفيد فيها أن والدها قام بتزويجها - بصورة قسرية - وهي في الـ12 من عمرها من قريب لها في أواخر العشرينات من العمر ، وأوضحت أنها حاولت الانتحار أكثر من مرة خوفا من الزواج لكنها كانت تفشل في ذلك ، وقد تم تجميد هذا الزواج بعد التدخل المباشر من محافظ محافظة تعز.

إن إلهام وفوزية وغيرهما من عرائس الموت هن ضحية لأولئك المتطرفين الذين يصرون حتى الآن على إباحة التمتع بأجساد الصغيرات ولو كان عمرهن 6 أو 8 أو 10 سنوات ، والأبشع من هذا أنهم يربطون هذا الأمر بالدين والدين منهم براء ، كما أن إلهام وفوزية ومن قبلهما نجود وريم وأروى وسالي والعشرات غيرهن يبقين شهوداً على دعاة القتل المبكر الذين يستميتون في الدفاع عن إباحة تزويج الصغيرة بعد ان كانت لهم اليد الطولى في إلغاء القانون الوحدوي الذي تم إقراره في العام 1992م والذي كان يحدد سناً لزواج الذكر والانثى قبل أن يلغيه هؤلاء بعد حرب صيف 1994 - سيئة الصيت - ليبيح القانون بعدها تزويج الصغيرة ولو كان عمرها يوماً واحداً وهو نافذ إلى يومنا هذا.

الأخ رئيس مجلس النواب المحترم

لقد كانت كتلة التجمع اليمني للإصلاح هي الكتلة الوحيدة التي تصر على عدم تحديد سن الزواج ، لكننا تفاجأنا مؤخراً بأن أعضاء في هذه الكتلة نظروا بعين العقل إلى هذا الأمر وحكموا المنطق على الأهواء وأبدوا تأييدهم لتحديد سن الزواج وفي مقدمتهم الأستاذ القدير النائب شوقي القاضي والنائب عبدالرزاق الهجري والنائب فؤاد دحابة والنائب الدكتور نجيب غانم ، وبهذا يقل عدد المعترضين ليتضاءل إلى عدد محدود من أعضاء الكتلة البرلمانية للإصلاح الذين لم يشف غليلهم الضحايا السابقات من فتيات في عمر الزهور ولا يزالون مصرين على استمرار هذه المآسي التي تدفع ثمنها الطفولة البريئة وفي مقدم هؤلاء النفر النائبان محمد الحزمي وعارف الصبري ، فهل نلغي قانوناً إنسانياً لمجرد اهواء نفر قليل من أعضاء كتلة الإصلاح حتى بعد أن اختلف معهم من هم في الكتلة البرلمانية نفسها ، بينما هناك إجماع كامل من بقية الكتل البرلمانية مجتمعة على تحديد سن الزواج.

الأخ رئيس مجلس النواب المحترم

لقد طالعتنا الأنباء سابقاً أن فخامة رئيس الجمهورية واعتماداً على صلاحياته الدستورية كان قد وجه وهو رئيس حزب الأغلبية بعدم إعادة النظر في تحديد سن الزواج بـ( 17 عاماً ) ومع هذا فلم يتم العمل بالتوجيهات الرئاسية وتم إعادة القانون للتداول بناء على أهواء عدد قليل من النواب لا يرقى عددهم إلى عُشر أعضاء المجلس.

لقد قاد بعض رجال الدين معارضة شرسة لقضية تحديد سن الزواج وتذرعوا برواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وعمرها تسع سنوات ، وهم بالتالي يفتون بجواز تزويج ولي الامر لابنته ولو كان عمرها يوماً واحداً ، رغم أنهم جميعاً يتفقون على أن زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخصوصية حتى في الزيادة على الأربع ؟ حيث أن المسلم لا يجوز له الزيادة على الاربع ، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم له خصوصية في الزواج سواء أكان من ناحية العدد أو السن .. مع العلم بأن العديد من الأبحاث في علم الحديث مؤخراً أثبتت بطلان رواية زواج النبي من عائشة وهي في التاسعة من عمرها وآخرها البحث الذي كتبه الباحث المصري / إسلام البحيري والباحث اليمني الأستاذ عدنان الجنيد وغيرهما كثيرون ممن أثبتوا بطرق علمية حسابية وتاريخية أن النبي تزوج عائشة - رضي الله عنها - وهي في الثامنة عشرة من عمرها وليس في التاسعة .. لكن حتى اذا افترضنا زواج النبي من عائشة وهي طفلة فهذا يدخل في خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم في الزواج ، مع أن قيم وأخلاق النبوة تنزه الرسول الأعظم عن الإقدام على الزواج بطفلة قاصر، حيث ينبغي على كل مسلم غيور على دينه ورسوله أن يدافع عن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بدلاً من الدفاع عن الرواة الذين أوردوا تلك الرواية بكل ما فيها من ضعف وتناقضات تاريخية على نحو ما أورده الباحثون الذين أوضحوا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يتزوج عائشة - رضي الله عنها - وهي طفلة بل وهي في سن الثامنة عشرة.

إننا نكرر هنا ما قاله الدكتور غازي شائف الأغبري وزير العدل أمام مجلسكم الموقر ونكرر التحدي لكل المعترضين على تحديد سن الزواج بأن يأتوا بآية في القرآن أو حديث في السنة تثبت أن الإسلام حرم تحديد سن الزواج أو أن منع تزويج الصغيرات مخالف للشريعة ، فلماذا لا يفعلون وهم الذين يطلقون على أنفسهم علماء الأمة من تلقاء أنفسهم؟.

الأخ رئيس مجلس النواب المحترم

لقد نجح هؤلاء في وضع بصماتهم المأساوية على جدار التشريعات اليمنية الأمر الذي جعل بلادنا وبشهادة الكثير من المراقبين تشهد تراجعاً تشريعياً غير مسبوق في قضايا تقنين الشريعة ، وقد سبق لهم أن عبثوا بقانون الجرائم والعقوبات وأدخلوا عليه تعديلات لا تصلح للتطبيق إلا في قندهار وجبال تورا بورا وإمارة (شباب الصومال). وهم اليوم يحاولون مواصلة مشوارهم المأساوي في العبث بالقوانين والتشريعات اليمنية ، فلماذا نحقق لهم مرادهم عبر إفراغ قانون الاحوال الشخصية من محتواه ؟ ، وما الفائدة إذا حددنا سناً للزواج ثم ألغينا العقوبة المقررة على المخالف وجعلناه أشبه بمادة قانونية لا سلطة لها مع ان الأصل هو ان للقانون سلطة وأن سلطة القانون واجبة التنفيذ فلا قيمة لقانون لا سلطة له ولن يحترم أحد في الدنيا بلداً يصدر قوانين غير ملزمة ولا يحاسب من يخالفها ويخرج عنها.

آملين أن نجد تجاوباً منكم كما عهدناكم.

وتقبلوا فائق الاحترام والتقدير،،،


في الإثنين 19 إبريل-نيسان 2010 03:46:33 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=6921