عيد الجيوب الدافية..!!
أحمد محمد عبدالغني
أحمد محمد عبدالغني

إن ما يمكن أن يوصف به العيد .. هو أنه يوم الخروج من زمن إلى زمن ويوم الانتقال من حالة إلى حالة جديدة، يوم البشر والضحك والإخاء والوفاء، يوم الزينة التي يُراد منها إظهار النعمة وأثرها على النفس ليكون الناس جميعاً في يوم حب ..

وإذا كان هناك من يرى أن العيد هو ( ذلك اليوم الذي ينظر فيه الإنسان إلى نفسه نظرة تلمح السعادة ، وإلى أهله نظرة تبصر الإعزاز ، وإلى داره نظرة تدرك الجمال ، وإلى الناس نظرة ترى الصداقة ) .. فإن ما نعيشه في واقعنا الحالي ، هو أبعد عن ذلك بكثير ، فالأوضاع الاقتصادية والمعيشية السيئة المخيمة على غالبية الناس لم تترك لهم فرصة التعاطي مع مناسبة العيد ، بتلك الروح المتسامية التي يفترض أن تستقبل المناسبة بأبهى صورها ، حيث تحول العيد إلى همّ يعايش رب الأسرة ويلازمه طوال الأشهر التي تسبق مناسبة العيد.

وفي ظل هذه المعاناة وهذا الهم لم يعد رب الأسرة حريصاً على النظر إلى نفسه نظرة تلمح السعادة ، فهو على استعداد بالتضحية فيما يخصه هو ، مقابل الأمل في تحقيق نظرة الإعزاز إلى الأهل ونظرة الجمال إلى الدار ..

ثم يختزل هذا الأمل في العمل على أن يبقى العيد نقطة مضيئة في عيون الأطفال فقط .. وهنا تبذل المحاولات الممكنة لإبعاد شبح المعاناة عن هؤلاء ، فهم في الأساس لا يدرون ما يجري من حولهم ، وقد لا يدركون درجة الجهد الذي يبذله الأبوان من أجلهم ..

ولأن أغلبية الناس أصبحوا عاجزين فعلاً عن توفير ما يحتاجونه من متطلبات .. فمن المؤسف حقاً أن تتحول تلك المشاعر العظيمة في واقعنا الحالي إلى آمال وأحلام فقط. ولذلك لم تعد الأعياد تمثل في حقيقتها أيام سعادة ، تثير فينا أوصافها وتجدد نفوسنا بمعانيها ، ولكنها أصبحت تأتي كالحة عاطلة ممسوحة من المعنى ، أكبر عملها هو تجديد الثياب للبعض وتجديد الفراغ للكل ، محاطة بابتسامات مثقلة هي إلى الكآبة أقرب منها إلى الفرح ..

وأعتقد أن الجميع قد عاشوا أيام وأسابيع المعاناة والتي كانت تزداد عمقاً كلما أقترب العيد ودنت ساعاته ، كما أن كل واحد قد عايش أيضاً ، معاناة غيره من الزملاء والأصدقاء والجيران ، خلال شهر رمضان المبارك..

وكانت معاناتهم ترتسم على وجوههم ، وتعبر عن نفسها من خلال أحاديثهم وتنهداتهم وحسراتهم بشكل تلقائي ، في الوقت الذي يجدون فيه أنفسهم أمام مفارقة عجيبة ، حيث يرون تركز جهودالتجار في هز الأسواق وخض النفوس من خلال ممارسة سياسات الإحتكار وبث الدعايات الاقتصادية المتضاربة التي تجعل الناس في حالة خوف دائم، واشعال حرائق الأسعار، وتحويل المناسبة إلى موسم لجني الثمار والأرباح المضاعفة. أما المسئولين ورجال الحكم فتتركزجهودهم منذ اليوم الأول لشهر رمضان في العمل على استنزاف الإمكانيات المالية الموجودة في المؤسسات والأجهزة التي يديرونها بصورة خاصة وبأساليب فريدة ، وذلك في سياق إعداد العدة لاستقبال العيد ، بما لا يُحصى أو يُوصف ، حتى يخيل لمن يتابع المشهد أن لا حياة يجب أن تقوم إلاّ لهؤلاء ، ولا عيد سوف يأتي إلاّ لهؤلاء ، ولا أطفال يجب أن يفرحوا بهذه المناسبة إلاّ أطفال هؤلاء ،

وفي هذا السياق أصبحت مقولة (العيد عيد العافية، عيد الجيوب الدافية) هي المقولة الأكثر رواجاً في التعبير عن واقع ما يجري، ولو من باب السخرية.. فالعيد هو عيد الجيوب الدافية حقاً، لأن هذه الجيوب هي القادرة على الاستمتاع بجمال العيد وبهاءه، وهي القادرة على زرع الفرحة في نفوس أبناءها ونفوس من تعول من أهاليها.. أما بالنسبة لأولئك المتعبين المعدمين المحرومين – وهم الغالبية – فإن العيد بالنسبة لهم هو شيء آخر، ويظل الشطر الأول من تلك المقولة (العيد عيد العافية) هو أسلوب من أساليب المواساة التي قد يتقبلها بعض كبار السن على مضض، ذلك أن معاناة الآباء والأمهات ستزداد وهم يقفون أمام معضلة نفسية ومعنوية، وهي كيف يمكنهم إقناع أولئك الأطفال بسلامة محتويات هذه العبارة ومقاصدها(العيد عيد العافية) لأن من أبرز المعاني الحقيقية لهذه المناسبة هو ما يظهر على حياة الأطفال في ذلك اليوم، حيث تكون هذه الزهور الغضة هي لوحة العيد، بوجوهها النضرة بالابتسامات والضحكات، وعيونها الحالمة بالدموع والبكاء، وأصواتها الملعلعة بنبرات الحنان..

----------------------

Ahmdm75@yahoo.com


في الخميس 09 سبتمبر-أيلول 2010 12:22:20 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=7871