عيدروس نصر يرثي عمر الجاوي4
د.عبدالمنعم الشيباني
د.عبدالمنعم الشيباني

في هذه الحلقة من (عيدروس نصر يرثي عمر الجاوي) نذكِّر مرة اخرى بمطلع القصيدة (فصل في كتاب الطُّهر:

الا ليته عاشَ الذي ماتَ زاهدا** وماتَ الذي مازال في الأرضِ فاسدا

ثم يقول:

  ولكنها الأقدارُ تغتال كلَّما ** تراه نفيساً رائعاً متجددا

أبى الموتُ الا أنْ يصيبكَ سهمُه ** ليخطفَ منّا مشعلاً متوقدا

***

لن أعيد ما قلته عن حرف التمني( ليتَ) المسبوق بأداة التنبيه (الا) والذي يفيد طلب المحال كقول الشاعر:

الا ليتَ الشباب َ يعود يوماً ** لأخبره بما فعل المشيبُ

قلنا فيما مضى أن أسلوب التمني لا يستجيب لطلب الشعوب التي تتمنى البقاء لقادة الخير والتغيير والفناء لمن أفسد-ولم يزل- في الأرض، وقلنا أن لحرف التمني (ليت) عملاً سياسياً حسب سياق النص بقراءة نقدية تتبع دور اللغة في النص والواقع، الواقع الذي يعاندالشعوب ويخدم اعداءها، وهكذا لم يعد من أملٍ للشعوب سوى أن تتمنى فلا يستجاب لها..وحتى الموت والأقدار يخطفان عمر الجاوي وأمثاله ممن أحبهم الشاعر..وكأنه غدا قدراً كونياً أن يرحل من هو أولى بميراث الأرض وهم الصالحون والمفكرون والعظماء ليخلد بدلاً منهم الفاسدون والمنافقون والأفاكون.. والقصيدة تنحى منحىً كلاسيكياً تقليدياً في الرثاء ولكن بتجربة شعرية صادقة يستدل عليها من تأثيرها في المستمع أو القارئ ..كل من عرف عمر الجاوي المعارض الشجاع يتأثر بلغة المرثية متعاطفاً مع الراحل كما في البيت التالي:

تجاهر لا تخشى عواقب ماترى ** صواباَ وتمضي لا تهابُ توعُّدا

هذا البيت صادق الخبرة والتجربة لمن عرف الراحل الذي حصدت فرق الإغتيالات معاصريه من القادة والمفكرين رفاق درب الشاعر والراحل معاَ، ومضى الجاوي شامخا ً لم ينكسر حتى خطفته يد المنون، وكان الجاوي شجاعاً مقداماً مع خفةٍ في الدم والروح وهو أول من تنبأ-مثلاَ- أن حزب التجمع اليمني للإصلاح حزب علماني بروجماتي منفعي (من وجهة نظر الجاوي)، قال هذا الكلام في عزالتشدد الديني للإصلاح..،أوردنا هذه الحادثة لنستدل بها على صدق البيت الشعري أعلاه وعلى خفة دم الراحل..

أسلوب التعويض النفسي استراتيجية للنص

الأهم عندي في هذه القراءة لهذه الحلقة (( أسلوب التعويض النفسي )) في النص لما فات من استحالة جواب التمني كما في الأبيات التالية:

لئن غبتَ عنَّا لست في الغيب مفرداً

  وإن كنت بين الناس قد عشت مفردا

فمثلك لا يفنى وإن غابَ جسمهُ

 ستبقى مدى الأجيال ذكراً مجدّدا

فلا عاش من يحيا الحياة منافقاً

   ولا مات من أفنى الحياة مجاهدا

ستحفظك الأيام فينا معلِّماً

   وتبقى على مرِّ الدهور مجسدا

***

لا حظوا المفردات :

(( فمثلكَ لا يفنى وإنْ غاب جسمه))

((ستبقى مدى الأجيال ذكراً مجدَّدا))

((وتبقى على مر الدهور مجسّدا))

((سنبقى على ذكراكَ أمضى عزيمةً))

(( وعش خالداً ما دمتَ فينا مخلّدا))

***

هذا أسلوب تعويض نفسي بمفردات لغوية كإستراجية رد وردع لأسلوب التمني (المعاند في استجابة الطلب)، أسلوب يحفظ توازن الشاعر والشعوب التي عاندها طلب المحال (( الا ليتَ....))..إنها استراجية كل المرثيات للعظماء وعلى أساس هذا التوازن يخلّد الراحلون .. من ذلك قصيدة سيد قطب الخالدة (لحن الخلود) نوردها لأهميتها والتي منها:

أخي إنْ نمتْ نلقَ أحبابنا *** فروضاتُ ربي أُعدتْ لنا

وأطيافها رفرفت حولنا *** فطوبي لنا في ديار الخلود ْ

***

يتبع الحلقة القادمة

شاعر وناقد يمني

a.monim@gmail.com

    
في الخميس 14 أكتوبر-تشرين الأول 2010 09:05:54 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mirror1.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mirror1.marebpress.net/articles.php?id=8105